للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مغاني كلهم نساء، كل جوقة تغني بملهاة غير ملهاة الأخرى، وأمرتهم، فغنوا كلهم على شأن واحد، فأرتج المجلس، وطرب وانبسطت نفسه، وضم واحدة من المغنيات أعجبته، فواقعها في المجلس، ونحن نشاهده، وتم يومه في غاية الطيبة؛ فلما كان وقت العصر، حضر أصحابه بالنهب والسبايا، قدمت له ولأصحابه الذين كانوا معه تحفًا جليلة من أواني الذهب والفضة، ومن النقد والذهب، ومن الأقمشة الفاخرة شيئًا كثيرًا سوى العليق، وهبات العوانية الذين كانوا بين يديه، واعتذرت من التقصير، وقلت جاء الأمير على غفلة، لكن غدًا إن شاء الله أعمل للأمير دعوة أحسن من هذه، فركب وقبلت ركابه، ورجعت فجمعت أهل الدرب من اليسارة وقلت لهم: انظروا لأنفسكم هذا الرجل غدًا عندي وكذا بعد غد، وكل يوم أريد أضعاف اليوم المتقدم، فجمعوا لي من بينهم ما يساوي خمسين ألف دينار من أنواع الذهب والأقمشة الفاخرة والسلاح فما طلعت الشمس إلا وقد وافاني فرأى ما أذهله.

وجاء في هذا اليوم، ومعه نساؤه، فقدمت إليه ولنسائه من الذخائر والذهب والنقد ما قيمته عشرون ألف دينار.

وقدمت له في اليوم الثالث لآلئ نفيسة، وجواهر ثمينة، وبغلة جليلة بآلات خليفية، فقلت: هذه مراكب الخليفة، وقدمت لجميع من معه، وقلت: هذا الدرب قد صار يحكمك، فإن تصدقت على أهله بأرواحهم، فيكون له وجه أبيض عند الله، وعند الناس، فما بقي عندهم سوى أرواحهم، فقال: قد عرفت ذلك. ومن أول يوم وهبتهم أرواحهم، وما حدثتني نفسي بقتلهم، ولا سبيهم، لكن أنت تجهز معي قبل كل شيء إلى حضرة القان، فقد ذكرتك له، وقدمت له شيئًا من المستطرفات التي قدمتها لي، فأعجبته، ورسم بحضورك. فخفت على نفسي، وعلى أهل الدرب، وقلت: هذا يخرجني إلى خارج بغداد، ويقتلني، وينهب الدرب، فظهر علي الخوف، وقلت: يا خوند، هولاكو ملك كبير، وأنا رجل حقير مُغنّ أخشى منه ومن هيبته، فقال: لا تخف ما يصيبك إلا الخير؛ فإنه رجل يحب أهل الفضائل، فقلت: أنا في ضمانك أنه لا يصيبني مكروه؟ قال: نعم، فقلت لأهل الدرب: هاتوا ما عندكم من النفائس، فأتوني بكل ما يقدرون عليه من المغنيات الجليلة ومن النقد الكثير من الذهب والفضة.

وهيأت من عندي ماكل كثيرة طيبة، وشرابًا كثيرا عتيقًا فائقًا، وأواني فاخرة كلها من الذهب والفضة المنقوشة، وأخذت معي ثلاثة جوق مغاني من أجمل من كان عندي وأتقنهن للضرب ولبست بدلة من القماش الخليفي، وركبت بغلة جليلة كنت أركبها إذا رحت إلى الخليفة، فلما رآني بانوا نوين بهذه الحالة، قال لي: أنت وزير، قلت: بل

<<  <  ج: ص:  >  >>