للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: أخروه، وقدموا العباس بن الأحنف، فقدّم، فصلى عليهم، وانصرف، ودنا منه هاشم بن عبد الله الخزاعي، فقال: يا سيدي كيف أثرت العباس بالتقدمة على من حضر؟. قال لقوله (١): [من الكامل]

وسعى بها واش فقالوا: إِنَّها … لَهِيَ الَّتي تَشْقَى بها وتُعابِدُ

ثم قال: أتحفظها؟ قلت: نعم. قال: أنشدني باقيها، فأنشدته:

لما رأيتُ الليل سدَّ طريقَهُ … عنِّي وعذبني الظلامُ الرَّاكِدُ

والنجم في كَبِدِ السَّماءِ كَأَنَّهُ … أَعْمَى تحيَّرَ ما لديه قائد

ناديت من طرف قاد بصدّه … عمَّا أُعالج وهو خلو جاهِدُ

يا ذا الذي صدع الفُؤادَ بصدِّهِ … أَنْتَ البلاء طريفه والتالدُ

ألقيت بين جفُونِ عَيْني فُرْقَةٌ … فإلى مَتَى أَنا ساهِر يا راقد

فقال المأمون: أليس من قال هذا الشعر حقيقيًا بالتقدمة؟!، فقلت: بلى ياسيدي.

قال إسحاق: دخلت يومًا إلى الرشيد بعقب وفاة والدي، وذلك بعد وفاته بشهرين، فلما جلست رأيت موضعه الذي يجلس فيه خاليًا، فدمعت عيني، فكفكفتها، وبصرت فلمحني الرشيد، فدعاني إليه، وأدناني منه، وقبلت يده ورجله والأرض بين يديه، فاستعبر، وكان رقيقًا، فوثبت قائمًا، ثم قلت (٢): [من الخفيف]

في بَقَاءِ الخليفة الميمونِ … خَلَفٌ مِنْ مُصيبةِ المَحْزُونِ

لا يَصيرُ المصاب خلفًا إذا ما … كانَ ذا مَفْزَعِ إلى هارون

قال لي: كذلك والله، ولن يفقد من أبيك ما دمت حيًا إلا شخصه، وأمر بإضافة رزقه إلى رزقي فقلت: بل تأمر به يا أمير المؤمنين إلى ولده، ففي خدمته له ما يغنيني أنا، فقال: اجعلوا رزق إبراهيم لولده، وأضعفوا رزق إسحاق.

وأما الصوت الذي ذكرت أخبار إبراهيم بسببه والشعر فيه والغناء له، وهو من المائة المختارة فهو (٣): [من مجزوء الرمل]

رُبَّما نبهني الإخـ … وان والليلُ بَهِيمُ

حِينَ غَارت وتدلَّت … في مهاويها النُّجوم

ونُعاس الليل في عيـ … ـنيَّ كالثَّاوِي مُقِيمُ


(١) للعباس بن الأحنف في ديوانه ٩٦، الأغاني ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) لإسحاق الموصلي في ديوانه ٢٠٢، الأغاني ٥/ ٢٦٨.
(٣) لإبراهيم الموصلي في الأغاني ٥/ ١٦٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>