للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فشربه، فلما استوفاه واستوفى ابن جامع صوته، لم أدعه يتنفس حتى اندفعت، فغنيت صوت إبراهيم، فلم يزل يصغي إليه، وهو باهت حتى استوفيته، فشرب، وقال: أحسنت! لمن هذا الصوت؟ قلت: لإبراهيم. فلم يزل يستدنيني حتى صرت قدام سريره، وجعل يستعيد الصوت، وأعيده حتى شرب أرطالًا، وأمر لإبراهيم بجائزة سنية، وأمر لي بمثلها، وجعل ابن جامع يجيء بالغناء، فيدسه في اسْتَاءِ الصبيان إن كان محسنًا، فليغنه هو. والرشيد يقول له: دع ذا عنك، قد والله استفاد منك وزاد.

قال يحيى بن عروة بن أذينة: خرجت في حاجة لي؛ فلما كنت بالسيالة وقفت على منزل إبراهيم بن هرمة فصحت يا إسحاق فأجابتني ابنته: من هذا؟، فقلت: أعلمي أبا إسحاق، قالت: خرج آنفًا. قال: فقلت: فهل من قرى فإني مقو من الزاد؟ فقالت:

لا والله ما صادفته حاضرًا، قلت: فأين قول أبيك:

لا أمتع العود بالفصالِ ولا … أبتاعُ إلا قَرِيبَةَ الأَجل

قالت: فذاك والله أفناها.

قال إسحاق: لما دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة، اشتد أمر القولنج على أبي، ولزمه. وكان يعتاده في الأحيان، فقعد عن الخدمة للخليفة، وعن نوبته في ذلك، وقال في ذلك (١): [من مجزوء الرمل]

مُلَّ وَاللَّهُ طَبِيبيْ … عَنْ مقاساة الذي بي

سَوْفَ أَبْغِي عَنْ قَرِيبٍ … لعَدُوّ وحَبيب

قال: وركب الرشيد حمارًا، ودخل يعوده، فوجده، وهو جالس على الأبزن، فقال له: كيف أنت يا إبراهيم؟، فقال له: أنا والله يا سيدي كما قال الشاعر (٢): [من الوافر]

سَقِيمٌ مَلَّ منهُ أَقاربوهُ … وأَسْلَمَهُ المُداوي والحَمِيمُ

فقال الرشيد: إنا لله، وخرج، فما بعد

حتى سمع الداعية عليه.

قال عمر بن شبة: مات إبراهيم الموصلي في سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي وابن الأحنف، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج، فصفّوا بين يديه، فقال: من هذا الأول؟ قالوا: إبراهيم الموصلي،


(١) لإبراهيم الموصلي في الأغاني ٥/ ٢٦٣.
(٢) الأغاني ٥/ ٢٦٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>