للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَشَرَّبَ قَلْبِي حُبُّهَا وَمَشَى بِهَا … تَمَشِّي حُمَيَّا الكَأْسِ في كَفِّ شَارِبِ

ودَبَّ هَوَاهَا في عِظَامِي فَسُقْمُهَا … كما دَبَّ في الملسوع سُمَّ العَقَارِبِ

قال: ففطن بتعريضي، وكانت جهالة مني، وأمرني بالانصراف، ولم يدع بي شهرًا، ولا حضرت مجلسه؛ فلما كان بعد شهر دس إلي خادمًا معه رفعة فيها مكتوب (١): [من الخفيف]

قَدْ تَخَوَّفْتُ أَنْ أَمُوتَ مِنَ الوَجْـ … ـد ولَمْ يَدْرِ مَنْ هَوِيتُ لما بي

يا كتابي فاقر السلام على مَنْ … لا أُسَمِّي وقُلْ له يا كتابي

إن كفًا إليك قد كتبتني صَبَّتْ … فؤاده في عذابي

فأتاني الخادم بالرقعة فقلت: ما هذا؟ قال: رقعة فلانة التي غنتك بين يدي أمير المؤمنين، فأحسسْتُ بالقصة، فشتمت الخادم، ووثبت إليه ضربته ضربًا شفيت به غيظي، وركبت إلى الرشيد من فوري، فأخبرته بالقصة، وأعطيته الرقعة، فضحك حتى كاد يستلقي، ثم قال: على عمد فعلت ذلك. أردت لأمتحن مذهبك، وطريقتك، ثم دعا بالخادم؛ فلما رآني قال: قطع الله يديك ورجليك. ويلك قتلتني، فقلت: القتل كان بعض حقك لما وردت به عليّ، ولكني رحمتك، فأبقيت عليك، وأخبرت أمير المؤمنين ليؤدي عقوبتك بما تستحقه، فأمر لي الرشيد بصلة سنية، والله أعلم ما فعلت الذي فعلت عفافًا، ولكني خفت.

قال إسحاق: سمعت الرشيد، وقد سأل أبي كيف يصنع إذا أراد أن يصوغ الألحان؟، قال: يا أمير المؤمنين أخرج الهم من فكري، وأمثل الطرب بين عيني، فتسرع لي مسالك الألحان التي أريد، فأسلكها بدليل الإيقاع، فأرجع مصيبًا ظافرًا بما أريد، فقال: يحق لك يا إبراهيم أن تصيب وتظفر، وأن حُسْنَ وصفك مُشاكل لحسن صنعتك وغنائك.

قال ثمامة بن أشرس: مررت بإبراهيم الموصلي، ويزيد حوراء، وهما مصطبحان، وقد أخذ بينهما صوتًا يغنيانه، هذا بيتًا، وهذا بيتًا (٢): [من الطويل]

أَيا جَبَلي نعمان بالله خَلْيا … سبيلَ الصَّبا يخلص إلي نسيمها

فَإِنَّ الصَّبا ريح إذا ما تنسَّمَتْ … على نفسِ مَكْرُوبٍ تجلَّتْ هُمُومُها

قال ثمامة: فوالله ما خلت أن شيئًا بقي من لذات الدنيا بعد ما كنا فيه.


(١) الأغاني ٥/ ٢٤٢.
(٢) لقيس بن الملوح في ديوانه ١٩٣، الأغاني ٥/ ٢٤٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>