للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على مثلي قال: ويحك، إنه يقصر عن العنان قال: أيها الأستاذ سرني بأن أسمعه من فيك حتى أرويه عنك، وأسقط الأسانيد، قال: أقم عندي حتى أفعل. فدعا ابن جامع بالطعام، فأكلنا، وشربنا، ثم بدأ، وحدثه بالخبر حتى انتهى إلى خبر الصوت الأول، فقال له الرف: وما هو أيها الأستاذ، فغناه ابن جامع، فجعل محمد يصفق، ويشرب، وابن جامع مشتغل في شأنه حتى أخذه منه، ثم سأله عن الصوت الثاني، فغناه إياه، وفعل مثل فعله الأول، ثم كذلك في الصوت الثالث؛ فلما أخذ الأصوات، وأحكمها، قال له: يا أستاذ قد بلغت ما أحب، فأذن له في الانصراف فانصرف محمد من وجهه إلى إبراهيم فلما طلع من باب داره قال: ما وراءك؟ قال: ما تحب، قال: ادع لي بعود فدعا به فضرب وغنّاه الأصوات، فقال إبراهيم: هي وأبيك بصورتها وأعيانها، أرددها علي الآن، فلم يزل يرددها حتى صحت لإبراهيم، وانصرف محمد إلى منزله، وغدا إبراهيم إلى الرشيد، فلما دعا بالمغنين دخل فيهم؛ فلما بصر به، قال: أو قد حضرت؟ أما كان ينبغي أن تجلس في منزلك شهرًا بسبب ما لقيت من ابن جامع؟ قال: ولم ذلك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك؟ والله لئن أذنت لي أن أقول لأقولن، قال: وما عساك أن تقول؟ قل. قال: إنه ليس لي ولا لغيري أن يراك متعصبًا لخير، فيغاضبك، أو يغالبك، وإلا فما في الأرض صوت إلا وأنا أعرفه، فقال له: دع ذا عنك. قد أقررت أمس بالجهالة بما سمعت من صاحبنا. قال: فإن كنت أمسكت عنه بالأمس على معرفة كما يقول، فهاته اليوم، فليست ههنا عصبية، ولا تمييز، فاندفع يغني الأصوات كلها، وابن جامع مصغ مستمع له حتى أتى على آخرها، فاندفع ابن جامع يحلف بالإيمان المحرجة أنه ما عرفها قط، ولا سمعها، ولا هي إلا من صنعته لم تخرج إلى أحد غيره، فقال له: ويحك، فما أحدثت بعدي؟ قال: ما أحدث حدثًا. قال: يا إبراهيم بحياتي أصدقني، قال: وحياتك لأصدقنك رميته بحجر. بعثت محمدًا الرف، وضمنت له ضمانات أولها رضاك عنه، فمضى فاحتال عليه حتى أخذها عنه، ونقلها إلي وقد سقط الآن عني اللوم بإقراره بأنه ليس على أن أعرف ما صنعه هذا، ولم يخرجه إلى الناس. وهذا باب من العتب، وإنما يلزمني أن يعرف هو شيئًا من غناء الأوائل، وأجهله أنا، وإلا فلو لزمني أن أروي صنعته للزمه أن يروي صنعتي، وللزم كل واحد منا لسائر طبقته ونظرائه مثل ذلك. فمن قصر عنه كان مذمومًا ساقطًا. فقال له الرشيد: صدقت يا إبراهيم، ونصحت عن نفسك، وقمت بحجتك، ثم أقبل على ابن جامع، فقال له: يا إسماعيل أنت أبطل عليك الموصلي ما فعلته به أمس، وانتصف منك. ثم دعا بالرف ورضي عنه.

<<  <  ج: ص:  >  >>