وكان ما تجاريناه، ونحن نتساير في الصحراء، لنقطع فضل خمارنا، فقال: من تحب أن يحكم بيننا، فقلت: من ترى يحكم؟ قال: أول من يطلع علينا. أغنيه لحني، وتغنيه لحنك. فطمعت فيه، وقلت: نعم، وأقبل شيخ نبطي على حمار له، فأقبل عليه أبي، وقال إني وصاحبي هذا قد تراضينا بك في شيء، قال: وأي شيء هو؟ قال: زعم كل واحد منا أنه أحسن غناءً من صاحبه، فتسمع مني ومنه، وتحكم بيننا، فقال: على اسم الله، فبدأ أبي فغنّى لحنه، وتبعته، فغنيت لحني؛ فلما فرغت أقبل علي، فقال: قد حكمت عليك عافاك الله، ومضى فلطمني لطمة ما مر بي مثلها، وسكت فما عدت عليه حرفًا.
قال الرشيد يومًا لجعفر بن يحيى: قد طال إسماعنا هذه العصابة على اختلاط الأمر فيها، فهلم أقاسمك إياها، فأخايرك، فاقتسمنا المغنين على أن جعلنا بإزاء كل رجل نظيره، فكان ابن جامع في حيّز الرشيد، وإبراهيم في حيّز جعفر، وحضر الندماء لمحنة المغنين، وأمر الرشيد ابن جامع بالغناء، فغنّى صوتًا أحسن فيه كل الإحسان، وأطرب الرشيد غاية الإطراب؛ فلما أقطعه قال الرشيد لإبراهيم: هات هذا الصوت، فغنه، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين لا أعرفه، وظهر الانكسار فيه، فقال الرشيد لجعفر: هذا واحد، ثم قال لابن جامع: غنّ يا إسماعيل فغنّى صوتًا ثانيًا أحسن من الأول؛ فلما استوفاه، قال الرشيد لإبراهيم: هاته يا إبراهيم، فقال: لا والله ما أعرف هذا، فقال: هذان اثنان يا إسماعيل. غنّ يا إسماعيل ثالثًا يتقدم الصوتين، فغنّى الثالث؛ فلما أدّاه على آخره، قال: هاته يا إبراهيم، فقال: لا والله ما أعرفه، فقال حعفر: أخزيتنا أخزاك الله!. وأتم ابن جامع يومه والرشيد مسرور به، وأجازه، وخلع عليه، ولم يزل إبراهيم منخجلًا حتى انصرف. قال: فمضى إلى منزله، فلم يستقر حتى بعث إلى محمد المعروف بالرف، وكان من المغنين المحسنين، وكان أسرع الناس أخذًا للصوت، وكان الرشيد وجد عليه في أمر، فألزمه بيته، وتناساه، فقال إبراهيم للرف: إني اخترتك على من هو أحب إلي منك لأمر لا يصلح له غيرك، فانظر كيف تكون، قال: أبلغ في ذلك محبتك إن شاء الله. فأدى إليه الخبر، وقال: أريد أن تمضي من ساعتك إلى ابن جامع، فتعلمه أنك صرت إليه مهنيًا بما تهيأ له علي، وتبتليني، وتشتمني، وتحتال في أن تسمع منه الأصوات، وتأخذها، ولك كل ما تحبّه من جهتي مع رضا الخليفة إن شاء الله. قال: فمضى من عنده، فاستأذن على ابن جامع، فأذن له، فدخل، وسلم عليه، وقال: جئتك مهنيًا بما بلغني من خبرك، والحمد لله الذي كشف الفضل عن محلك في صناعتك. قال: وهل بلغك خبرنا؟، قال: هو أشهر من أن يخفى