قال إسحاق؛ قال ابن جامع يومًا لأبي: رأيت في منامي كأني وإياك راكبان في محمل، فسفلت حتى كدت تلصق بالأرض وعلا الشق الذي أنا فيه، فلأعلونك في الغناء. قال أبي: الرؤيا حق، والتأويل باطل. إني وإياك كنا في ميزان، فرجحت بي، وشالت هنك، وعلوت، ولصقت أنا بالأرض، فلأبقين بعدك، ولتموتن قبلي.
قال إسحاق: فكان كما قال أبي على عليه، وأفاد من أكثر فوائده، ومات ابن جامع قبله، وعاش أبي بعده.
قال مخارق: اشتغل الرشيد يومًا، واصطبح مع الحرم، وأصبحت السماء مغيمة، فقلت: والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم، فأعرف خبره، فجئت، فدخلت عليه، وهو في رواق له وبين يديه قدور تغرغر، وقناني تزهر، والستارة منصوبة، والجواري خلفها، وبين يديه صينية فيها رطلية، وكو، وكأس. فقلت: ما بال الستارة لست أسمع من ورائها؟ فقال: أقعد ويحك إني أصبحت على الذي ظننت، فأتاني خبر ضيعة تجاورني قد والله طلبتها زمانًا، وتمنيتها، فلم أملكها، وقد أعطي بها مائة ألف درهم، فقلت: وما يمنعك منها، فوالله لقد أغناك الله أضعاف هذا المال وأكثر. قال: صدقت ولست أطيب نفسًا بأن أخرج هذا المال، قلت: فمن يعطيك الساعة مائة ألف درهم، وما أطمع في ذلك من الرشيد، فكيف بمن دونه؟ فقال: اجلس فخذ هذا الصوت ثم نقر بقضيب معه على الداة وألقى علي هذا الصوت (١): [من البسيط]
يا طالب الجود والمعروفِ مُجتهدًا … اعمد ليحيى حليفِ الجُودِ والكَرَمِ
قال: فأخذته وأحكمته، وقال لي: امض الساعة إلى باب يحيى بن خالد، فإنك تجد الناس عليه، وتجد الباب قد فتح، ولم يجلس بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل إليه أحد، فإنه سينكر مجيئك ويقول لك: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ فحدّثه بقصدك إياه، وما ألقيت إليك من خبر الضيعة وأعلمه أني صنعت هذا الصوت، وأعجبني، ولم أر أحدًا يستحقه إلا فلانة جاريته، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته؛ لتطرحه عليها، فسيدعو بها، ويأمر بالستارة، فتنصب ويقول لك: اطرحه عليها بحضرتي، فافعل، وائتي بما يكون بعدها من الخبر، قال: فجئت باب يحيى، فوجدته كما وصف وسألني فأعلمته ما أحضرني به، وأمرني به، فأحضر
(١) لأبي النضير عمر بن عبد الملك البصري في الأغاني ٥/ ١٩٤.