قال ابن شبة: لما ألح يزيد على الشرب، وسماع الغناء، أقبل مسلمة عليه يلومه، ويقول له: إنك وليت بعقب عمر بن عبد العزيز وعدله، وقد تشاغلت بهذه الأمة عن النظر في أمور المسلمين، الوفود ببابك، وأصحاب الولايات والظلامات يضجون، وأنت غافل عنهم. فقال: صدقت والله، واعتبه، وهم بترك الشراب أيامًا، ولم يدخل على حبابة مدة، فدست حبابة إلى الأحوص أن يقول بيتًا في ذلك، وقالت: إن رددته عن رأيه، فلك ألف دينار، فدخل الأحوص على يزيد، فاستأذنه، فأذن له، فقال (١):
[من الطويل]
ألا لا تلمه اليومَ أَنْ يَتَبَلَّدا … فقدْ غُلِبَ المخزونُ أَنْ يَتَجَلَّدا
بكيتُ الصبا جهدي فَمَنْ شَاءَ لامَنِي … ومَنْ شَاءَ آسَى في البكاءِ فَأَسْعَدَا
وإِنِّي وَإِنْ قَدَّرْتَ في طَلَبِ الصبا … لأعلمُ أَنِّي لستُ في الحُبِّ أَوْحَدًا
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْشَقْ وَلَمْ تَدْرِ ما الهَوَى … فَكُن حجرًا مِنْ يابس الصَّحْرِ جَلْمَدَا
فما العِشْقُ إلا ما يَلَذُّ ويُشْتَهَى … وإِنْ لامَ فيهِ ذُو السِّنانِ وفَنَّدَا
وحفظت حبابة الأبيات، وعملت فيها لحنًا، وكان يزيد قد أقام جمعة لا يدخل إليها؛ فلما كان يوم الجمعة، قالت لبعض جواريها: إذا خرج أمير المؤمنين إلى الصلاة فأعلميني؛ فلما أراد الخروج أعلمتها؛ فتلقته والعود في يدها، فغنت البيت الأول، فغطى وجهه، وقال: مه لا تفعلي، ثم غنت الأبيات؛ فلما بلغت إلى:
فما العشق إلا ما يلذ ويشتهى
عدل إليها، وقال: صدقت والله قبح الله من لامني فيك يا غلام مر مسلمة فليصل بالناس وأقام معها وعاد إلى حاله.
وذكر ابن عياش: أن سلامة وحبابة اختلفتا في صوت معبد (٢): [من الوافر]
ألا حَيّي الديارَ بسَعْدَ إِنِّي … أحِبُّ لحب فاطمة الديارا
إذا ما حَلَّ أَهْلُكِ يا سُلَيْمَى … بِدارةِ صَلصَلٍ شَحَطُوا المَزَارَا
فبعث يزيد إلى معبد فأتى فسأل: لم بعث إليه؟ فأخبر، فقال: لأيتهما المنزلة عند أمير المؤمنين؟ قالوا لحبابة، فلما عرضنا عليه الصوت حكم لحبابة، فقالت سلامة:
والله يابن الزانية إنك لتعلم وتتحقق أنّ الحق والصواب ما قلت، ولكنك سألت أيهما
(١) للأحوص الأنصاري في ديوانه ١١٧ - ١٢٦، الأغاني ١٥/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٢) لجرير في ديوانه ٣٠٦، الاغاني ٨/ ١٥.