للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حسن عنك ذكرها، ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك، افتقرت ولم تقدر على لم شعثك، ولا إصلاح حالك، وزال ما كان في نفسه.

وقال غيره: لما افتتح عبد الله بن طاهر مصر، سوغه المأمون خراجها، فصعد المنبر، فلم يزل حتى أجاز بها ثلاثة آلاف ألف دينار ونحوها، فأتاه معلى الطائي، وقال: أعلموه ما صنع، وكان واجدًا عليه، فوقف بين يديه تحت المنبر، وقال: أصلح الله الأمير، أنا معلى الطائي، وقد بلغ مني ما كان منك من جفاء، وغلظة، فلا يغلظن على قلبك، ولا يستخفنّك الذي بلغك، أنا الذي أقول (١): [من البسيط]

يا أعظم الناس عفوًا عند مقدرة … وأعظم الناس عند الجود للمال

لو أصبح النيل يجري ماؤُه ذَهبًا … لما أشرت إلى خزن بمثقال

وهي عدة أبيات، فضحك عبد الله بن طاهر، وقال: يا أبا السمراء أقرضني عشرة آلاف دينار، فما أمسيت أملكها، فأقرضه، فدفعها إلى معلى الطائي.

قال محمد بن الفضل الخراساني - أحد قواد عبد الله بن طاهر -: لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفتخر فيها بمآثر أبيه وأهله، ويفخر بفضلهم، وبقتلهم المخلوع عارضه محمد بن زياد الأموي الحصني - من ولد مسلمة بن عبد الملك - فأفرط في السب، وتجاوز قبح الردّ، وتوسط بين القوم وبين بني هاشم فأربى في التوسط، وكان فيما قال فيه (٢): [من المديد]

يا بن بنتِ النار يوقدها … ما لحادِيهِ سَرَاوِيلُ

مَنْ حُسَيْنٌ مَنْ أبوك ومَنْ … مُصْعَبٌ غالتكُمُ غُوْلُ

نَسَبٌ في الفَخْرِ مُؤْتَشَبٌ … وأُبُوَّاتٌ أَراذِيلُ

وهي قصيدة طويلة؛ فلما ولي عبد الله بن طاهر، ورُدّ إليه أمر الشام، علم الحصني أنه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده، فثبت في موضعه وأحرز حرمه، وترك أمواله ودوابه، وكل ما يملك في موضعه، وفتح باب حصنه، وجلس عليه يتوقع من عبد الله بن طاهر أن يوقع به؛ فلما شارفنا بلده، وكنا على أن نصبح، دعاني عبد الله في الليل، فقال: أنت عندي الليلة ولتكن فرسك عندك لا تردّ؛ فلما كان في السحر أمر غلمانه وأصحابه أن لا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب في السحر أنا وخمسة من خواص غلمانه، وسار حتى أصبح الحصن، فرأى بابه مفتوحًا، ورآه جالسًا مسترسلًا،


(١) لمعلى الطائي في الأغاني ٢/ ١٢٢.
(٢) لمحمد بن زياد الحصني في الاغاني ١٢/ ١٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>