للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

له هم إلا أن انتظر آخر الليل حتى طار غرابه، وجرّد عن سيف النهار قرابه، وشرع الفجر ينفجر، والأفق بملاءة الصباح يعتجر، وبكر إلى دار الخلافة، والمعتصم قد انفتل عن المحراب، ولمح ابن أبي دؤاد، فما استراب، فتقدم إليه، وقص عليه القصة، والمعتصم يسمع، وحدّثه بما كادت له مقلته تدمع، وقال له: يا أمير المؤمنين إني لم أخنك في عمري سوها، ولا أتيت بمثلها ونفس وما سواها، ولو لم تكن إنقاذ ولي من أوليائك، وسخر بقاؤه من حلوق أعدائك، لما فعلتها ولا اجترأت على أمير المؤمنين وقلتها، فضحك أمير المؤمنين ضحك معجب بجميل صنعه، معجل إلى عدم منعه، وقال له: قد أجزت ما قلت أيها القاضي وما فعلت، ثم بعث رسله إلى الأفشين يأمره بإحضار أبي دلف، فما نشب أن أحضره وسنا إطلاقه، ثم لم يبرح ابن أبي دؤاد حتى أعاده إلى منزله وعاد الأفشين، وأماته بعلته.

قال ابن خلكان (١): كان أبو دلف كريمًا، سريًا جوادًا، ممدحًا، شجاعًا، مقدامًا، ذا وقائع مشهورة، وصنائع مأثورة، أخذ عنه الأدباء الفضلاء، وله صنعة في الغناء، وصنف عدة كتب في البزاة والصيد، والسلاح، وسياسة الملوك، وغير ذلك، ومدحه أبو تمام الطائي بأحسن المدائح، وفيه يقول بكر بن النطاح (٢): [من الكامل]

يا طالبًا للكيمياء وعِلمِه … مَدْحُ ابن عيسى الكيمياء الأعظم

لو لم يكن في الأرض إلا درهم … ومدحته لأتاك ذاك الدرهم (٣)

ويحكى أنه أعطاه على هذين البيتين سبعين ألف درهم، فأغفله قليلًا، ثم دخل عليه وقد [ابتاع بتلك الدراهم قرية في نهر الأبلة]، فأنشده (٤): [من الطويل]

بك ابتعت في نهر الأُبَلَّةِ قريةً … عليها قصيرٌ بالرُّحَامِ مَشِيدُ

إلى جنبها أُخت لها يعرضونها … وعندك مال للهبات عتيد

فقال له: وكم ثمن هذه الأخت؟، فقال: عشرة آلاف درهم، فدفعها له، ثم قال: تعلم أنَّ نهر الأبلة عظيم، وفيه قرى كثيرة، وكل أخت إلى جانبها أخرى،


(١) وفيات الأعيان ٤/ ٧٤.
(٢) بكر بن النطاح الحنفي: أبو وائل، شاعر غزل، من فرسان بني حنيفة، من أهل اليمامة. انتقل إلى بغداد في زمن الرشيد، واتصل بأبي دلف العجلي فجعل له رزقًا سلطانيًا عاش به إلى أن توفي سنة ١٩٢ هـ/ ٨٠٨ م.
ترجمته في: فوات الوفيات ١/ ٧٩، البداية والنهاية ١٠/ ٢٠٨، سمط اللآلي رقم ٥٢٠، التبريزي ٣/ ١٤٠، تارخ بغداد/ ٧/ ٩٠، الأعلام ٢/ ٧١، معجم الشعراء للجبوري ١/ ٣٦٠.
(٣) شعره ٢٧٤ (شعراء مقلّون)، وفيات الأعيان ٤/ ٧٤.
(٤) وفيات الأعيان ٤/ ٧٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>