وما السبب في ذلك؟، قال: أنا أحدثك حديث أبي. قال: كان عبد الملك بن مروان أشدّ الناس حبًّا لعاتكة بنت يزيد بن معاوية امرأته - وهي أم يزيد بن عبد الملك - فغضبت مرة على عبد الملك، وكان بينهما باب فأغلقته، فشق غضبها على عبد الملك، وشكاه إلى خاصته، فقال له عمرو بن بلال الأسدي: ما لي عندك إن رضيت؟، قال: حكمك، فأتى بابها، فجعل يتباكى، وأرسل إليها بالسلام، فخرجت إليه حاضنتها وجواريها، فقلن: ما لك؟ فقال: فزعت إلى عاتكة في أمر رجوتها له؛ فقد علمت مكاني من أمير المؤمنين معاوية، ومن أبيها بعده، فقلن: ومالك؟ قال: ابناي لم يكن لي غيرهما، فقتل أحدهما صاحبه، وقال أمير المؤمنين: أنا قاتل الآخر به، فقلت: يا أمير المؤمنين أنا الولي، وقد عفوت، قال: لا أعود الناس هذه العادة. وقد رجوت أن يحيي الله ابني هذا على يدها، فدخلن عليها، فذكرن لها ذلك، فقالت: فكيف أصنع مع غضبي عليه وما أظهرت له؟، قلت: إذا والله يقتل، فلم نزل بها حتى دعت ثيابها، فأحضرتها، ثم خرجت نحو الباب وأقبل جريج الحصيني، فقال: يا أمير المؤمنين هذه عاتكة قد أقبلت، قال: ويلك ما تقول؟ [قال:] قد والله طلعت فأقبلت فسلمت، فلم يرد عليها السلام، فقالت: والله لولا عمرو ما جئت. تعدى أحد ولديه على الآخر، وأردت قتل الآخر، وهو الولي وقد عفا، قال: إني أكره أن أعود الناس هذه العادة، قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين قد عرفت مكانه من أمير المؤمنين معاوية، ومن أمير المؤمنين يزيد؛ وهو بيايي. فلم تزل به حتى أخذت رجله فقبلتها، فقال: هو لك، فلم يبرحا حتى اصطلحا، ثم راح عمرو بن بلال على عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيت؟، قال: رأينا أثرك، فهات حاجتك، قال: مزرعة بعبيدها، وما فيها، وألف دينار، وفرائض لولدي وعيالي، قال: ذلك لك، ثم اندفع عبد الملك فتمثل بقول كثير:
وإني لأرعى قومها من جلالها ..
ثم فعلت عاتكة ما أرادت فلما غنّى يزيد هذا الشعر، كره مواليه إذ كان عبد الملك تمثل به في أمه.
قال عبد الملك: وأما خبره لما غنى بشعر عمرو بن شاس، فإن ابن الأشعث لما قتل، بعث الحجاج إلى عبد الملك برأسه مع عرار بن عمرو بن شاس، فلما ورد به وأوكل كتاب الحجاج إليه، جعل عبد الملك يقرأه، وكلما شك في شيء سأل عرارًا عنه فأخبره فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته مع سواده، فقال عبد الملك متمثلًا (١):