مرافقه، فأصغى لي، وقال: رأيت مثل ذلك الإنسان قط؟ قلتُ: لا والله، قال: أفتدري لم أدخلناك؟ قلت: لا، قال: لتحدث بما رأيت، ثم التفت إلى عبد الله بن فروة فقال: أعطه عشرة آلاف درهم، وثلاثين ثوبًا وانصرف، وما انصرف أحد بمثل ما انصرفت، بعشرة آلاف درهم، وبمثل كارة القصار ثياب، وبنظرة من عائشة بنت طلحة.
قال: وكانت عائشة بنت طلحة عند عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان أبا عذرتها، ثم هلك، وتزوجها مصعب بن الزبير فقتل، ثم تزوجها عمر بن عبد الله بن معمر فبنى بها بالحيرة، ثم انصرف عن سبع مرات تلك الليلة، فلقيته مولاة له حين أصبحن، فقالت: يا أبا حفص كَمُلتَ في كل شيء حتى في هذا. فلما مات ناحت عليه قائمة ولم تنح على أحد منهم. وكانت العرب إذا ناحت المرأة قائمة على زوجها علم أنها لا تريد أن تتزوج بعده، فقيل لها: يا عائشة ما صنعت هذا بأحد من أزواجك؟ قالت: إنه كان أقرب مني قرابة، وأردت أن لا أتزوج بعده.
قال: وقدم يزيد بن عبد الملك مكة، فبعث إلى الغريض سرًا، فأتاه فغناه بهذا اللحن في شعر كثير (١): [من الطويل]
ولو حاربوا قومي لكنتُ لقومها … صديقًا ولمْ أَحْمِلْ على قومِها حِقْدِي
فأشير إلى الغريض أن اسكت، وفطن يزيد فقال: دعوا أبا زيد يغني بما يريد، فأعاد عليه الصوت مرارًا، ثم قال: زدني مما عندك فغناه في شعر عمرو بن شأس الأسدي (٢): [من الطويل]
فواندمًا على الشباب وواندم … ندمت وبان اليوم مني بغير ذم
قال إسحاق: فحدث أبا عبد الله بهذا الحديث، وكنا قد أخذنا في أحاديث الخلفاء، ومن كان يسمع الغناء، فقال أبو عبد الله: كان قدم يزيد مكة وبعثه إلى الغريض سرًا قبل أن يستخلف، قلتُ له: فلم أشير إلى الغريض أسكت حيث غناه (٣):
(١) دوان كثير عزة ١٣٥. (٢) شعره ١٠٢. (٣) صدر بيت لكثير عزة، وتتمته: «وإن أظهروا غشًا نصحت لهم جهدي» انظر: دوانه ١٣٥.