فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ البِقَاعِ إِلَيْكَ» (١)، يُردُّ أيضا: بأنه لا يُعرَفُ، وعلى تقدير صحته فمعناه: أحب البقاع إليك بعد مكة.
وتُستحبُّ المجاورة بمكةَ؛ لأفضليتها. وجزم في المغني، وغيره: بأن فضل مكة أفضلُ، وأنَّ المجاورة بالمدينة أفضل، وذكر قول الإمام أحمد:«المقَامُ بالمدينة أحب إليَّ من المقام بمكة لمن قوي عليها؛ لأنها مهاجر المسلمين»(٢). وأما نفس تراب تربته ﷺ(٣)، فلَيسَ هو أفضلُ منَ الكعبة، بل الكعبة أفضل منه. قال في «الفنون»(٤): الكعبة أفضل من مجرد الحجرة (٥)، فأما والنبي ﷺ
(١) أخرجه الحاكم برقم (٤٢٦١) بلفظ: «اللَّهُمَّ إنك أخرجتني من أحب البلاد إليَّ فأسكني في أحب البلاد إليك». (٢) انظر: مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود ١٣٦. (٣) هذا رد على من استدل لتفضيل المدينة بأنه ﷺ خير البشر، فتربته خير الترب. وقد ورد أنه خلق من تربة المدينة. وقد أجاب عنه القاضي أبو يعلى: بأن فضل الخلقة لا يدل على فضل التربة. انظر: معونة أولي النهى ٣/ ٣٧٣. وانظر في المسألة: المبدع ٣/ ٢١٠، الإقناع ١/ ٦٠٨، وشرحه الكشاف ٢/ ٤٧٣. (٤) هو كتاب أبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي (ت ٥١٣ هـ)، وهو أعظم كتبه. قيل: في مائتي مجلد، وقيل: أربعمائة، وقيل: ثمانمائة. وأكثره مفقود، وطبع منه مجلدان من نسخة فريدة. انظر: المدخل المفصل ٢/ ١٠٣١. (٥) الحجرة الشريفة هي حجرة عائشة ﵂، وفيها قبض النبي ﷺ، وتقع شرقي المسجد النبوي، ويفتح بابها على الروضة، وقد صارت على خمسة أضلاع تمثل الشماليتان منه ساقي مثلث، والثلاث الباقية أضلاع في مربع، وارتفاعها نحو ٦ أمتار، وقد أقيم حولها سور من النحاس طوله ١٥ م، وعرضه ١٦ م. ويقع قبره في جنوبي الحجرة الشريفة،