للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الكمال، فتارة يُصوب رأيه، وتارة يصلح له الصوت حتى ندر وأجاد، وزاد، وأحسن.

وكانت أكثر أصوات الكمال في الأشعار المنظمة باللغة الفارسية، وهكذا كانت غالب أصوات أبي سعيد، وهو الذي استنبط هذا الغناء الذي يُغنى به اليوم، ويسمّى «البيشرون»، وهو أنغام تطول على مقدار بيت الشعر، ويقبض على وسع عبارة فيسد بأنواع الكلام الملفق الذي لا يحصر بإذن، ولا قافية.

قلت: ولقد حرصت على تخريجه أو مقابلته بتفاعيل يوازن بها، فلم أستطع، وسألت عنه الإمام حجة العرب أبا عبد الله بن الصائغ الأموي المروي، فقال لي: هذا لا يتخرج ولا يوزن إلا بالنغم مثل الموشحات إذا كانت غير شعرية، فإنها لا تنضبط، ولا يعرف صحيحها من مكسورها إلا إذا غنيت.

قلت: وهذا الغناء يستلذ في المشارب، وحانات القصب، ولأهل مصر به ولوع، وعليه وقوع، ولا يليق الغناء به في مجالس الملوك والكبراء، ولم يقع إلي من أصواته في الشعر العربي إلا أربعة أصوات، فمنها في شعر التلعفري (١): [من الكامل]

مَا صَدَّ جَفْنَ العَيْنِ عَنْ إغماضِهِ … إلا بَرِيقٌ لج في إيماضه

خَفَقَ الفُؤَادُ بخفقةٍ فَغَدَا كما … حَكَمَ الهَوَى وقفًا على إمراضه

ما زالَ ثَغْرًا مُغْرَمًا لمعانُهُ … بالمُنْحَنى وغياضه ورياضهِ

واها له من عارض تعرِيضُهُ … لِي بالأَحِبَّةِ كان في إعراضه

ومنها في شعر محمد بن التلمساني (٢) هذا (٣): [من الوافر]

صُدُودُكَ هَلْ لَهُ أَمَل قريبُ … ووَصْلُكَ هَلْ يكونُ ولا رَقِيبٌ

ملوك الحُسْنِ ما صُنْعِي بِطَرْفٍ … تَمَنَّى مِثْلَهُ الرَّشَأُ الرَّبِيبُ


(١) دوانه ٢٦٣.
(٢) محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله التلمساني، شمس الدين المعروف بالشاب الظريف، ويقال له ابن العفيف: شاعر مترقق، مقبول الشعر. وهو ابن عفيف الدين التلمساني الشاعر أيضًا.
ولد بالقاهرة سنة ٦٦١ هـ/ ١٢٦٣ م، لما كان أبوه صوفيًا فيها بخانقاه سعيد السعداء. وولي عمالة الخزانة بدمشق، وتوفي بها سنة ٦٨٨ هـ/ ١٢٨٩ م. له «ديوان شعر - ط» و «مقامات العشاق - خ» رسالة في ورقتين.
ترجمته في: فوات الوفيات ٢/ ٢١١، وتعريف الخلف ٢/ ٤٣٠، وآداب اللغة ٣/ ١١٩، والنجوم الزاهرة ٧/ ٣٨١، والوافي بالوفيات ٣/ ١٢٩، وابن الفرات ٨/ ٨٥، وكشف الظنون ١٧٨٦، وفي مطالع البدور ١/ ٢٨ مولده سنة ٦٦٢ ووفاته سنة ٦٨٧ هـ، وانظر: شذرات الذهب ٥/ ٤٠٥، الموسوعة الموجزة ٣/ ١٣، الأعلام ٦/ ١٥٠، معجم الشعراء للجبوري ٥/ ٤٢.
(٣) دوانه ٣٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>