للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وانظر إلى هذه القطعة التي كأنها من قطع الروض المرتع في عنفوان زمن الربيع، وكيف جاءت مع هذا الالتزام خفيفة الموقع قريبة من الخاطر، لا ترى للكلفة عليها، ولا تتطرق للاستهجان.

وكذلك من أصواته في شعر ابن الحجاج.

وحكي أن الملك المنصور صاحب حماة استصحبه معه إلى مصر في بعض سفراته إليها، فحضر يومًا يغنيه، وقد حضر عنده أبو الحسين الجزار الشاعر، واندفع الخروف يغني صوتًا أوله: [من الوافر]

مُرِيقُ دمي وسالب نوم عيني

وطفق يردده ويكرره، فقال له الجزار: لك الأمان يا شيخ أحمد، فضحك صاحب حماة ومن حضر.

قلت: ولم يقع إليّ من هذا الصوت غير ما ذكرت.

حكي أنه كان مع صاحب حماة على مجلس الشراب، وهم ببلاد ماردين، والربيع قد سحب رداءه على الثرى، والسحاب قد أودع في ثغور الأقاح جوهرا، والنسيم قد هب من تحت أعكان الليل مغيرًا؛ والروض قد أخذ زخرفه، والنوار قد نظم أحرفه، والبدر قد طرح تاجه، وألبس الشمس شرفه، والراح قد راقت كأنها وجه حبيب، وطابت كأنها غفلة رقيب، والمدام قد أديرت في عسجدية، والكؤوس قد برقت في تلك الصفيحة الندية، والسقاة كأنها أقمار توشحت الجوزاء مناديل، والأصداغ كأنها محاريب اشتعلت فيها الخدود قناديل؛ فاقترح عليه الغناء في شعر خمري يناسب ذلك المقام، ويحثّ به سوابق كميت تلك المدام فاندفع يغني: [من البسيط]

والكأْسُ يَسْلُبُنِي عَقْلِي وأَهْوَنُ ما … لَهَوْتُ عَنْ ذِكْرِهِ عَقْلي إذا سُلِبا

خَمْرًا يُمَشِّي بَناني وهْيَ فَوْقَ يَدِي … منها بمثلِ شُعَاعِ الشَّمْسِ مُخْتَضِبا

شربتها غيرَ مَحْمُورٍ ولو طلب الـ … خمارُ روحي بها أعطيتُ ما طلبا

وأَرْبَحُ الناس عندي في تجارَتِهِ … مُحَصِّلٌ يَشْتري بالفِضَّةِ الذَّهَبًا

ومن أصوات الخروف: [من الطويل]

إذا لم تكن تُنهي إلى غيرك الشكوى … فَمَا ثم إلا الصبر فيك على البلوى

وإنِّي وإن أتلفت بالهجرِ مُهْجَتي … لأَرْضى التي تَرْضَى وَأَهْوَى الذي تَهْوَى

<<  <  ج: ص:  >  >>