للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولا خَيْرَ في شكوى إلى غيرِ مُشْتَكِ … ولا بد من شَكْوَى إِذا لَمْ يَكُنْ صَبْرُ

وكانت جارية ماهرة، أديبة شاعرة، تأتي بكل غريب، وتبلغ ما لا يجرجر فيه بعنان، ولا يحدث عن عريب، صفراء من مولدات البصرة، نشأت حيث يرف النخيل، ويرق السلسبيل. وكانت فضل الشاعرة تهاجيها ولا تهيجها، ولا يكفي في الحسن ما ينشره يهيجها، وكان لكل واحدة منهما عصبة من شعراء الوقت يتعصبون لها، وهي لا تتقنع، ويعيبون لديها الأخرى، وما فيهم إلا من يتصنع.

حكى أحمد بن أبي طاهر: كانت فضل تهاجي خنساء جارية هشام المكفوف، وكان أبو الشبل عاصم بن وهب البرجمي يعاون فضلًا الشاعرة على خنساء، ويهجوها على لسانها، وكان الحفصي والصعيدي يعاونان خنسا، فقال أبو الشبل فيها على لسان فضل (١): [من السريع]

خنْساءُ طِيرِي بجناحَيْنِ … أَصْبَحْتِ معشوقَةَ تَذْلَينِ

مَنْ كان يهوى صاحبًا واحدًا … فأَنْتِ رَهْنَّ بِهَوَى اثْنَيْنِ

هذا الصعيدي وهذا الفَتَى الـ … حَفْصِيُّ زَارَاكِ كَفَرْدَيْنِ

وكنتِ مِنْ هذا وهذا كما … يَنْعَمُ خِنْزِير بخنثين

فقالت خنساء (٢): [من السريع]

ماذا مقال لكِ يا فضلُ بَلْ … مقالُ خنزرن قردن دن

يُكْنى أبا الشَّمْلِ ولكنَّهُ … دَعَوْهُ بالكلبِ بنِ كَلْبَيْنِ

فقالت خنساء في فضل (٣): [من الطويل]

تقولُ لَهُ فَضْلٌ إذا ما تخوَّفَتْ … رُكُوبَ قبيح الذُّلِّ فِي طَلَبِ الوَصْلِ

حرام فتى لَمْ يَلْقَ في الحبِّ ذِلَّةٌ … فقلتُ لها: لا بَلْ حِرامٌ أَبِي الشِّبْلِ

ولها أيضًا فيهما أبيات (٤): [من الكامل]

رَكِبَ الفُحول على منانتها … فَتَمَرَّدَتْ كَتَمَرُّدِ الفَحْلِ

لمَّا كَنَيَت بما كنت بِهِ … وتسمت النقصان بالفَضْلِ

كادت بنا الدُّنيا تمدُّ ضحى … وترى السماء تَذُوبُ كالمُهْل


(١) لأبي الشبل البرجمي في الأغاني ١٩/ ٣٣١.
(٢) لخنساء جارية هشام المكفوف في الأغاني ١٩/ ٣٢١.
(٣) لخنساء في الأغاني ١٩/ ٣٢٢.
(٤) لخنساء في الأغاني ١٩/ ٣٢٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>