للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الكرماء، فلم ينس لهم حسن الصنيع، ويمن الأيام التي ما لا إنجاب عن مثلها الصديع، وكان في أهل الغناء مقدمًا، بصيرًا مع ما هو عليه من العمى.

قال أبو الفرج: أخبرت عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي أنه قال: سمعت مسرور [١] الكبير يحدّث أبي، قال: لما أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى، دخلت إليه، وعنده أبو زكار الأعمى الطنبوري يغنيه (١): [من الوافر].

فَلَا تَبْعُدْ فَكُلُ فَتًى سيأتي … عليه الموتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغادي

فقلت له: في هذا والله أتيتك، وأمرت بضرب عنقك. فضربت عنقه، فقال لي أبو زكار نشدتك الله إلا ألحقتني به، فقلت له: وما رغبتك في ذلك، فقال: إنه أغناني عما سواه بإحسانه، فما أحب أن أبقى بعده، فقلت: أستأمر أمير المؤمنين في ذلك؛ فلما أتيت الرشيد برأس جعفر، أخبرته بقصة أبي زكار، فقال: هذا رجل فيه مصطنع، فضمه إليك، وانظر ما كان جعفر يجريه عليه، فأقمه له.

قال: غنى علوية يومًا بحضرة إسحاق (٢): [من البسيط]

عَمَّيْتُ أمري على أهلي فَنَمَّ بِهِ … دَمْعٌ إذا ذكرت مكنونَهُ سَفَحا

فقال أبو إسحاق: هذا صوت معروف في العمى الشعر لبشار الأعمى، والغناء لأبي زكار الأعمى، وأوله: عميت.

وهذا آخر ما يقع عليه الاختيار من جامع أبي الفرج الأصفهاني اقتصر فيه على من ذكره من مشاهير الأغاني.

وقد بقيت مدة لا أجد ما أذيل عليه، ولا ما أصله به إلى زماننا هذا، على ما جبرنا عليه في جمع هذا الكتاب، لقلة اعتناء المتأخرين ولا سيما بهذا الفن الذي فني، ولم يبق من يعانيه أو يسمعه، لرغبة ملوك زماننا فيما سوى هذا، وشواغل أبناء الزمان بالهموم الصادة عن السرور.

ثم ظفرت لابن ناقيا بتأليف جاء في تضاعيفه عرَضًا ذكر جماعة على ذيل زمان أبي الفرج (٣).

ثم اقتطفت من كتب التواريخ والأخبار المقيدة عن أواخر الخلفاء من بني العباس، وبقايا الخلفاء بالأندلس من بني أمية، وأعقاب الملوك والجلة من كل أفق ما


(١) الأغاني ٧/ ٢٤٦.
(٢) الأغاني ٧/ ٢٤٧.
(٣) وهو أغاني المحدثين وسماه العمري فيما بعد في ترجمة إسرائيل العوّاد رقم (٧٩) «المحدث في الأغاني».

<<  <  ج: ص:  >  >>