للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أقمارًا، وسمعن، وكان حديثهن أسمارًا.

قال أبو الفرج، قال ابن المنجم: كان سبب قولهم: الموصلي أنه لما نشأ وبلغ صحب الفتيان، واشتهى الغناء، فطلبته، واشتدّ أخواله عليه في ذلك، وبلغوا منه، فهرب إلى الموصل، فأقام بها نحوًا من سنة، فلما رجع إلى الكوفة، قال له إخوانه من الفتيان: مرحبًا بالفتى الموصلي فمرت عليه.

قال: وأول خليفة غناه إبراهيم، وسمع غناءه المهدي، وكان لا يشرب، وأراد من إبراهيم ملازمته، وترك الشرب، فأبى، وكان يغيب عنه أيامًا، فشرب عند موسى وهارون بتةً، فوالله لئن دخلت عليهما لأفعلن ولأصنعن، فقال: نعم، ثم بلغه أنه دخل عليهما، وشرب معهما، وكانا مشهورين بالنبيذ، فدعاه، فضربه ثلاثمائة سوط، وقيده، وحبسه فأقام مدَّة، ثم أخرجه، وأحلفه بالطلاق والعتاق، وكل يمين لا فسحة له فيها أن لا يدخل على موسى وهارون أبدًا، ولا يغنيهما، وخلى سبيله.

قال: فلما ولي موسى الهادي الخلافة استتر إبراهيم منه، فكان منزله يكبس في كل وقت، وأهله يروعون بطلبه، حتى أصابوه، فمضوا به إليه، فلما عاتبه، قال: يا سيدي أم ولدي وأعز خلق الله علي، ثم غناه في شعره (١): [من الخفيف]

يا ابنَ خَيرِ المُلوكِ لا تَتَرُكَنِّي … غَرَضًا للعدو يرمي خيالي

فَلَقَدْ في هواك فارقتُ أهلي … ثُمَّ عرَّضتُ مُهجتي للزَّوَالِ

ولقد عفت في هواك حَيَاتِي … وتغرَّبْتُ بين أهلي ومالي

قال إسحاق: فموله - والله - الهادي وخوله؛ وحسبك أنه أخذ منه في يوم واحد خمسين ألف دينار، ولو عاش لنا بنينا حيطان دارنا بالذهب والفضة.

قال إسحاق: كان لأبي طعام معد أبدًا في كل وقت، وذلك أنه كان له في كل يوم ثلاث شياه واحدة مقطعة في القدور، وأخرى مسلوخة معلقة، وأخرى حية؛ فإذا أتاه قوم أطعموا ما في القدور، فإذا فرغ قطعت الشاة المعلقة، ونصبت القدر، وذبحت الحية فعلقت، وأتي بأخرى وهي حية في المطبخ، وكانت وظيفته وطيبه في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما يجري، وسوى كسوته، ولولا يقع عندنا من الجواري الودائع لإخوانه ثمانون جارية ما فيهن واحدة إلا ويجري عليها الطعام والكسوة والطيب ما يجري لأخص جواريه، فإذا ردّت الواحدة إلى مولاها، أوصلها وكساها، ومات وما في ملكته أكثر من ثلاثة آلاف دينار، وعليه من الدين مائة ألف دينار.


(١) لإبراهيم الموصلي في الأغاني ٥/ ١٧٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>