قال يحيى بن محمد الظاهري: حدّثني ينشو مولى أبي أحمد بن الرشيد، قال: اشتراني مولاي أبو أحمد بن الرشيد واشترى معي رفيقي يحموم، ودفعنا إلى وكيل له خراساني، وقال له: انحدر بهذين الغلامين - إلى بغداد - إلى إسحاق الموصلي، وادفع إليه مائة ألف درهم، وشهريًا بسرجه ولجامه، وثلاثة أدراج فضة مملوءة طيبا، وسبعة تخوت وشي كوفي وثلاثين ألف درهم للنفقة، وقال للرسول: عرف إسحاق أنَّ هذين الغلامين لرجل من وجوه العرب من أهل خراسان، وجه بهما إليه، ليتفضل عليه بتعليمهما أصواتًا اختارها، وكتبها له في الدرج، وقال له: كلما علمهما صوتًا، فادفع إليه ألف درهم حتى يتعلما بها مائة صوت، فإذا علمهما الصوتين اللذين بعد المائة، فادفع إليه الشهري، ثم إذا علمهما الثلاثة التي بعد الصوتين، فادفع إليه لكل صوت من الأصوات درجًا من الأدراج، ثم لكل صوتين بعد ذلك تختًا وسفطًا حتى ينفد ما بعث به معك، ففعل وانحدر بنا إلى بغداد، وأتينا إسحاق، فغنينا بحضرته، وأبلغه الوكيل الرسالة، فلم يزل يلقي علينا الأصوات حتى أخذناها كما أمر سيدنا، ثم صرنا إلى سر من رأى فدخلنا عليه وغنيناه جميع ما أخذناه فسر بذلك، وقدم إسحاق من بغداد إلى سر من رأى فلقيه مولانا فدعا بنا، وأوصانا بما أراد، وغدا بنا إلى الواثق، وقال: إنكما ستريان إسحاق بين يديه فلا توهماه إنكما رأيتماه قط، وألبسنا أقبية خراسانية، ومضينا معه إلى الواثق؛ فلما دخلنا عليه قال له: يا سيدي هذان غلامان اشتريا لي من خراسان يغنيان بالفارسية، فقال: غنيا، فضربنا ضربًا فارسيًا، وغنينا غناء فلهنديا، فطرب الواثق وقال: أحسنتما، فهل تغنيان بالعربية؟ قلنا نعم، واندفعنا فغنينا ما أخذنا من إسحاق، وإسحاق ينظر إليه، ويتغافل حتى غنيناه أصواتًا من غنائه، فقام إسحاق وقال: وحياتك وبيعتك وإلا فكل مملوك لي حرّ، وكل مال صدقة، إن لم يكن هذان الغلامان من تعليمي، ومن قصتهما كيت وكيت، فقام أبو أحمد وقال للواثق: والله ما أدري ما يقول هذا، إني اشتريتهما من رجل عاس خراساني. من أين يجيد تلك الأغاني؟ فضحك أبو أحمد، وقال للواثق: صدق والله أنا احتلت عليه، ولو رمت أن أعلمهما ما أخذاه منه إذا علم أنهما لي بأضعاف ما أعطيته، ما فعل، فقال له إسحاق: قد تمت علي حيلتك يا أمير المؤمنين.
قال: كنت عند الرشيد، فقال: يا إسحاق: تغن (١): [من الوافر]
شربت مدامة وسُقيتُ أُخرى … وراع المُنتشون وما انتتَشَيْتُ