الإخلاطة بكل مشرع، أخذ من كل فنّ طرفًا، وعلى كل فضل شرفًا حتى كان بعد القضاء ناظر العلماء، وأبكى بغلبة الجفون دماء، وكان يربأ بنفسه إلى أن يدخل على الخلفاء مع أهل الفقه ويختلط بهذا الشبه، وبرع في الأدب وأفانينه، وغنى بالشعر وتحسينه، وخلّف وراءه السباق، في حسن نظمه وتحسينه، وحلّ من الرشيد فمن بعده من الخلفاء محلّ الأصفياء، وفازوا منه بالوفاء، وفا … بما تجلّى له منهم من موارد الصفاء، وكانوا يرونه القلب الذي يسع سرورهم، والشباب الذين يحسن غرورهم، وأيامه مطويات إلى بلوغ آرابه، وسبوغ النعمة فيما زنده أورى به. هذا إلى عفاف تشهد به المضاجع، وكرم وخير وتقدّم في أول وآخر، ونفس ما أشربت حبّ الحرام، ولا اشرأبت إلى غير اختلاف الكرام.
قال أبو الفرج، قال إسحاق: بقيتُ زمانًا من دهري أغسل كل يوم إلى هشام، ثم أصير إلى الكسائي، وأقرأ عليه جزءًا من القرآن، وآتي الفراء، فأقرأ عليه أيضًا، ثم آتي منصور زلزل، فيضاربني طريقين، أو ثلاثة، ثم أتي عاتكة بنت شهدة، فأخذ منها صوتًا، أو صوتين، ثم آتي الأصمعي، فأناشده، وآتي أبا عبيدة فأذاكره، ثم أصير إلى أبي فأعلمه ما صنعت ومن لقيت، وما أخذت وأتغدى معه، فإذا كان العشاء، رحت إلى الرشيد.
قال إسحاق: دعاني المأمون يومًا، فسألني عن صوت، فقال: أتدري من صنعه؟، فقلت: اسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين بذلك إن شاء الله تعالى. فأمر جارية من جواريه وراء الستارة، فغنّت، وضربت [فإذا] هي قد شبهته بالقديم، فقلت: