للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال أبو الفرج: كانت صادقة الملاحة، فرآها يحيى، فوقعت بقلبه، فاشتراها، وكان الرشيد يصير إلى منزله، ويسمعها حتى ألفها، واشتد عجبه بها ووهب لها هبات سنية، منها؛ أنه وهب لها في ليلة عيد عقدًا قيمته ثلاثون ألف دينار، فردته عليه في مصادرة البرامكة بعد ذلك، وعرفت أم جعفر الخبر، فشكته إلى عمومته، فصاروا جميعًا إليه، فعاينوه، فقال لهم: مالي في هذه الجارية من أرب في نفسها، وإنما أربي في غنائها، فاسمعوها إن استحقت أن تؤلف غناءها فذاك، وإلا فقولوا ما شئتم. فأقاموا عنده، ونقلهم يحيى حتى سمعوا عنده فعذروه، وعادوا إلى أم جعفر، فأشار عليها أن لا تلح عليه في أمرها، فقبلت، وأهدت إلى الرشيد عشر جوار منهن مراجل أم المأمون، وماردة أم المعتصم وفاردة أم صالح.

قال إسحاق، قال لي أبي قال لي يحيى بن خالد: إنَّ ابنتك دنانير قد عملت صوتًا اختارته، وأعجبت به، فقلت لها: لا يشتد عُجابك بما صنعتيه حتى تُعرضيه على شيخك، فإن رضيه، واستجاده، وشهد بصحته، فارضيه لنفسك، وإن كرهه، فاكرهيه.

امض حتى تعرضه عليك. قال؛ فقلت له: أيها الوزير كيف إعجابك أنت به؛ فإنّك: ثاقب الرأي عالي الفطنة، صحيح التمييز. قال: أكره أن أقول لك: أعجبني، فيكون عندك غير معجب، إذ كنت رئيس صناعتك تعرف بها ما لا أعرف، وتقف من لطائفها على ما لا أقف، وأكره أن أقول لك: لم تعجبني، وقد بلغ من قلبي مبلغًا محمودًا، وإنما يتم لي السرور به إذا صادف ذلك منك استجادة وتصويبًا. قال: فمضيت إليها وقد كان تقدم إلى خدمة بذلك وقال لدنانير: إذا جاءك إبراهيم فأعرضي عليه الصوت الذي صنعتيه واستحسنتيه، فإن قال لك: أصبت سريني بذلك، فإن كرهه، فلا تعلميني لئلا يزول سروري بما صنعت؛ فلما حضر الباب أدخلت، ونصبت الستائر، فسلمت على الجارية، فردّت علي السلام، وقالت: يا أبه أعرض عليك صوتًا قد تقدم إليك خبره، وقد سمعت الوزير يقول: إنّ الناس يفتنون بغنائهم، ويعجبهم منهم ما لا يعجبهم من غيرهم، وكذلك يفتنون بأولادهم فيحسن في أعينهم منهم ما ليس يحسن. وقد خشيت على هذا الصوت أن يكون كذلك، فقلت: يا بنية هات، فأخذت عودها فغنت (١): [من الكامل]

نفسي أَكُنْتُ عليكِ مُدَّعيًا … أَمْ حِينَ أَزْمَعَ بينهم خُنتِ

إِنْ كنتِ مُوَلَعَةً بذكرِهُمُ … فَعَلى فراقهم أَلا مُت


(١) الأغاني ١٨/ ٧٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>