يدخل الخلل ضروبها، ولا يكون بلوغ الأمل ضريبها، ولا يتم سرور المجالس إلا إذا سمع منه في جنباتها، وطلع عود المخضر الغصن في جناتها، فكان محنى المحاضر، ومنى السامع والناظر.
قال أبو الفرج: اتصل بالوليد بن يزيد فتقدم عنده، وكان يسميه: جامع لذاتي، ومحيي طربي، وقتل الوليد وهو يغنيه، وكان آخر الناس عهدًا به.
وقيل: إنَّ الوليد كان يومًا جالسًا، وعنده عمر الوادي، وأبو رقية، وكان ضعيف العقل، وكان يُمْلي المصحف على الوليد، فقال الوليد لعمر، وقد غناه صوتًا: أحسنت والله يا جامع لذاتي! وأبو رقية مضطجع، وهم يحسبونه نائمًا، فرفع رأسه إلى الوليد، وقال له: أنا جامع اللذات لأمك، فغضب الوليد، وهم به، فقال له عمر الوادي: والله، جعلني الله فداك، ما يعقل أبو رقية، وهو سكران، فأمسك عنه.
قال عمر الوادي: بينا أسير ليلة من العرج والسقيا إذ سمعت إنسانًا يغني غناء لم أسمع قط أحسن منه وهو هذا (١): [من الطويل]
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى بأرضها … أَرى الأرضَ تُطوى لي ويدنُو بعيدها
مِنَ الخَفِرَاتِ البِيضِ وَدَّ جليسها … إذا ما قَضَتْ أحدوثة لو تُعِيدُها
فكدت أسقط من ناقتي طربًا، فقلت: والله لألتمسن الصوت والوصول إليه، ولو بذهاب عضو من أعضائي. فقصدت نحو الصوت حتى ذهبت من الشرف، وإذا أنا برجل يرعى غنمًا، فإذا هو صاحب الصوت، فأعلمته الذي قصدني إليه، وسألته إعادته عليّ، فقال: والله لو كان عندي قرى، لما فعلت، ولكني أجعله قراك، فربما ترنمت به وأنا جائع، فأشبع، وكسلان فأنشط، ومتوحش، فأنس فأعاده علي مرارًا حتى أخذته، فوالله ما كان لي كلام غيره حتى دخلت المدينة. ولقد وجدته كما قال:
عمر الوادي، خرج إلى الوليد بن يزيد يومًا، وفي يده خاتم فضة، وعليه ياقوت أحمر، فقال لي: أتحب أن أهبه لك؟ قلت: نعم والله يا مولاي، فقال: غنّ في هذه الأبيات التي أنشدكها، وأجهد نفسك، فإن أصبت إرادتي فهنيئًا لك فقلت: أجهد، وأرجو التوفيق. فقال (٢): [من الهزج]