فرماني بسهم ما أخطأ قربوس السرج، وما شككت في أنه يلحقني بآخر فيقتلني، فسلحت - يعلم الله - في ثيابي، ولوثتها، ونفذ إلى الجلد فصيرها شهرة، وأتيت رحل زيد، فجلست أغسل الحلة، وأنشفها. وأقبل زيد فرأى ما لحق الحلة والسرج، فقال لي: ما القصة ويلك؟ فقلت: يا سيدي الصدق أنجى وأسلم، وحدثته الحديث، فاغتاظ، ثم قال: لم يكفك أن تلبس حلتي، وتصنع ما صنعت، وتركب فرسي، وتجلس إلى النساء حتى انتسبت بنسبي، وفضحتني، وجعلتني عند العرب ولاجًا. أنا نَفِيٌّ من أبي منسوب إلى أبيك إن لم أسؤك وأبالغ فيك، أو قال: في ذلك. ثم لقي الخليفة، وعاد فدخلنا على سكينة، فسألته عن خبره كله، فحدّثها، فقالت له: هل مضيت إلى جواريك؟ فقال: لا أدري سلي ثقتك، فدعت بي، فسألتني، فبدأت فحلفت بكل يمين محرجة أنه ما مرَّ بالطائف، ولا فارقني، ولا دخلها، فقال: اليمين الذي حلفها لازمة لي إن لم أكن دخلت الطائف، وبت عند جواريي، وغشيتهن جميعًا، وأخذ مني ثلاثمائة دينار، وفعل كذا وكذا، وأراها الحلة والسرج، فقالت لأشعب: فعلتها. أنا نفية من أبي إن لم أنفقها إلا فيما يسوؤك، ثم أمرت بكبس منزلي وإحضارها، وإحضار الدنانير، فأحضرت، واشتري بها خشب، وبيض، وسرجين، فعملت من الخشب بيتًا وحبستني فيه، وحلفت ألا أخرج منه حتى أحضن البيض كله، فمكثت أربعين يومًا إلى أن نقب كله، وخرج منه فراريج كثير، فربيتهن، وتناسلن، وكنّ في المدينة يسمين أولاد أشعب وهنَّ إلى اليوم بالمدينة يسمين بذلك، وتزيد على الألوف كلهن أقاربي وأهلي. قال إبراهيم: فضحكت والله منه ضحكًا ما أذكر أني ضحكت قدره قط، ووصلته، ولم يزل عندي زمانًا حتى خرج إلى المدينة.
قال: كان أبان بن عثمان من أهزل الناس وأولعهم، وبلغ من عبثه أنه كان يجيء إلى منزل الرجل له لقب يغضب منه فيقول: أنا فلان بن فلان، ثم يهتف به بلقبه، فيشتمه أقبح شتم وأبان يضحك. قال: فبينا أشعب ذات يوم عنده في داره إذ أقبل أعرابي معه جمل والأعرابي أشقر أزرق غضوب يتلظى كأنه أفعى، ويبين الشر في وجهه، فقال أبان: هذا والله من البادية، ادعوه فدعا به فقيل له: إن الأمير أبا عثمان يدعوك، فأتاه، فسلم عليه، فسأله عن نسبه، فانتسب له، فقال: حياك الله يا خال. اجلس، فقال: إني في طلب مثل جملك هذا منذ مدة، فلم أجده كما أشتهي بهذه الهامة، وبهذا اللون والصدر والورك والأخفاف، والحمد لله الذي أظفرني به عند من أحبه، أتبيعه؟، قال: نعم أيها الأمير، قال: فإنّي قد بذلت لك مائة دينار، وكان الجمل يساوي عشرة، فطمع الأعرابي وسرّ وانتفخ وبان الطمع في وجهه، فأقبل أبان على أشعب، وقال: ويلك يا أشعب إن خالي من أهلك وأقاربك - يعني في الطمع - فأوسع