للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإن لم يصح ذلك، أعيدت الجارية إلى منزلك، وقد زال عن نفسك القول الذي لا يليق بك، ولا يحسن. فقال له إبراهيم: فديتك هب شارية بنت زهرة بن كلاب، أتنكر على ابن العباس بن عبد المطلب أن يكون بعلًا لها؟، قال: لا، فقال إبراهيم: فأبلغ أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - أنَّ شارية حرّة وقد تزوجتها بشهادة جماعة من العدول، وقد كان الشهود بعد منصرفهم من عند إبراهيم صاروا إلى ابن أبي دؤاد، فشم رائحة الطيب منهم فأنكر. فسألهم عنه، فأعلموه أنهم حضروا عند شارية جارية إبراهيم بن المهدي، وتزوجه إياها، فركب إلى المعتصم، فحدّثه الحديث، فقال: خل سعي عبد الوهاب؛ فلما رآه يمشي في صحن الدار، شدّ المعتصم أنف نفسه، فقال: ياعبد الوهاب إني أشم رائحة صوت محرق، وأحسب عمّي لم يقنعه درك على أذنك صوفة حتى أحرقها، فشممت رائحتها منك، فقال: الأمر على ما ظن أمير المؤمنين واسمح.

ولما انصرف عبد الوهاب من عند إبراهيم ابتاع إبراهيم من ميمونة شارية بعشرة آلاف درهم، وستر ذلك عنها، وكان عُقبة أتاها وهي ملك غيره، ثم ابتاعها من ميمونة، فحلَّ له فرجها، فكان يطأوها على أنها أمة، وهي تتوهم على أنه يطأها أنها زوجته حرّة؛ فلما توفي ظلت مشاركة أم محمد بنت خالد زوجته في المهر، فأظهرت خبرها، وسألت ميمونة، وهبة الله عن الخبر بأخبرتا به، فأمر المعتصم بابتياعها، فابتيعت من ميمونة بخمسمائة دينار، فحولت إلى داره، فكانت في ملكه إلى أن توفي.

قال ابن المعتز: وحدث حمدون بن إسماعيل أنه دخل على إبراهيم يومًا فقال له: أتحب أن أسمعك شيئًا لم تسمع قط مثله؟، فقلت: نعم، فقال: هاتوا شارية، فخرجت، فأمرها أن يغني لحن إسحاق (١): [من البسيط]

هل بالديار التي أحببتها أَحَدٌ ..

قال حمدون: فغنى شيئًا لم أسمع قط مثله، فقلت: لا والله يا سيدي ما سمعت هكذا قط. قلت: أيحب أن نسمعه أحسن من هذا؟، قلت: لا يكون، قال: بلى والله نُقر بذلك، فقلت: على اسم الله. فغناه هو فرأيت فضلًا عجيبًا، فقلت: وما ظننت أنَّ هذا يفضل ذلك هو الفضل. قال: أفتحب أن تسمعه أحسن من هذا وذلك؟ قلت: هذا الذي [لا] يكون أبدًا، فقال: بلى والله فقلت: هات، قال: بحياتي يا شارية قوليه، واختلى خلفك. قال: فغنت فسمعت والله فضلًا بينًا، فأكثرت العجب، فقال: بلى


(١) الأغاني ١٦/ ١١.

<<  <  ج: ص:  >  >>