قال إسحاق: كانت حبابة وسلامة من قيان أهل المدينة، وكانتا حاذقتين، ضاربتين، طريفتين، وكانت سلامة أحسنهما غناء، وحبابة أحسنهما وجهًا، وكانت سلامة تقول الشعر، وكانت حبابة تعاطاه فلا تحسنه.
قال أيوب بن عباية: كانت سلامة أحسنهما غناءً؛ وهي المقدمة، فلما صارتا إلى يزيد بن عبد الملك، ورأت حبابة إيثار يزيد لها، ومحبته إياها استخفت لسلامة، فقالت لها: يا أخية نسيت فضيلتي عليك، ويلك أين تأديب الغناء، وأين خلق التعليم، أنسيت قول جميلة وهي تطارحنا وتقول لك: خذي اتقان ما أطارحك من أختك سلامة، ولا تزالين بخير ما بقيت لك، وكان أمركما مؤتلفًا، قالت: صدقت يا أخت، والله لا عُدت إلى شيء تكرهينه، فما عادت إلى مكروه، وماتت حبابة، وعاشت سلامة بعدها زمانًا طويلًا.
قال: لما قدم عثمان بن حيان المري المدينة واليًا عليها، قال له قوم من وجوه الناس: إنك وليت المدينة على كثرة من الفساد، فإن كنت تريد أن تصلح، فظهرها من الغناء والزناء، فصاح في ذلك، وأجل أهله ثلاثًا يخرجون فيها من المدينة، وكان ابن أبي عتيق غائبًا؛ فلما كان آخر ليلة من الأجل، قدم قال: لا أدخل على منزلي حتى أدخل على سلامة القس، فدخل عليها، فقال: ما دخلت منزلي حتى جئتكم أسلم عليكم، قالوا: ما أغفلك عن أمرنا، وأخبروه الخبر، فقال: اصبروا الليلة، فقالوا: نخاف لا يمكنك شيء، قال: إن خفتم شيئًا، فأخرجوا في السحر، ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيان، فأذن له وذكر عيينة أنه جاء لقضاء حقه ثم جزاه خيرًا على ما فعل من إخراج أهل الغناء والزناء، وقال: لا تكون عملت عملًا هو خير لك من ذلك، قال عثمان: قد فعلت وأشار به علي أصحابك. قال: قد أصبت، ولكن ما تقول أكرمك الله في امرأة كانت هذه صناعتها، وكانت تكره على ذلك، ثم تركته، وأقبلت على الصوم والصلاة والخير، وإني رسولها إليك تقول: أتوجه إليك وأدعو بك أن تخرجني من جوار رسول الله ﷺ ومسجده. قال: فإني أدعها لك، ولكلامك. قال ابن أبي عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك، وتسمع كلامها، وتنظر إليها؛ فإن رأيت أن مثلها ينبغي أن تترك تركتها، قال: نعم، فجاء بها، وقال: احملي معك سبحة، وتخشعي ففعلت؛ فلما دخلت عليه حدّثته، فإذا هي أعلم الناس بالأخبار والأحاديث، فأعجب بها، وحدثته عن آبائه وأمورهم، ففكر لذلك فقال لها ابن أبي