للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

دحمان عن أبيه: إن معبدًا تغنى في شعر عبد الرحمن بن حسان (١): [من الرمل]

رُبَّ قلب بهموم وفِكَرْ … مِنْ حبيب هاجَ حَزني والسهر

يومَ أَبصرتُ غُرابًا واقعًا … شَرِّ ما طار على شرِّ الشَّجَر

فعارضه مالك، فغنّى في أبيات من هذا الشعر:

وجَرَتْ لِي ظبية يتبعها … لينُ الأظلاف مِنْ جو البَقَرْ

كُلَّما كَفْكَفْتُ منها عَبْرَةً … فاضَتِ العينُ بمنهَل دُرَرْ

قال: فتلاحيا جميعًا فيما صنعاه من هذين الصوتين. قال كل واحد منهما لصاحبه: أنا أجود صنعة منك. قال: فتنافرا إلى ابن سريج إلى مكة، فلما قدماها سألا عنه، فأخبرا أنه خرج يتطرف بالحناء في بعض بساتينها فاقتصا أثره حتى وقفا عليه، وفي يده الحناء، فقالا له: إنا خرجنا إليك من المدينة؛ لتحكم بيننا في صوتين صنعناهما، فقال لهما: ليغنّ كل واحد منكما صوتين. فابتدأ معبد، فغنى لحنه، فقال له: أحسنت والله على سوء اختيارك للشعر. ويحك ما حملك على ما صنعت هذه الصنعة الحسنة في حزن وسهرٍ، وهموم وفكر أربعة ألوان من الحزن في بيت واحد، وفي البيت الثاني شرّان في مصراع واحد، وهو شر ما طار على شر الشجر، ثم قال لمالك: هات صوتك فغنّاه مالك، فقال: أحسنت والله ما شئت، فقال له مالك: وإنما هو ابن سهر، فكيف تراه يا أبا يحيى إذا حال عليه الحول.

قال دحمان: فحدثني معبد أن ابن سريج غضب عند ذلك غضبًا شديدًا، ثم رمى بالحناء من يده وأصابعه، ثم قال: يا مالك لي تقول هذا؟ هو ابن شهره اسمع ابن ساعته، ثم قال: يا أبا عباد أنشدني القصيدة التي تغنيتما منها، فأنشدته القصيدة حتى انتهيت إلى قوله:

يُنكر الأيمن ما يعرفه … غيرَ أَنْ يسمعَ مِنْهُ بِخَبَرْ

فصاح بأعلى صوته: هذا خليلي، وهذا صاحبي، ثم تغنى فيه، فانصرفا مغلوبين مفضوحين من غير أن يقيما بمكة ساعة واحدة.

قال: لما ضاد ابن سريج الغريض وتلاحيا، جعل ابن سريج لا يغني صوتًا إلا عارضه الغريض يغني فيه لحنًا غيره، وكانت في بعض أطراف مكة في دار يأتيها كل جمعة، ويجتمع إليها ناس كثيرة، فيوضع لكل واحد منهما كرسي يجلس عليه، ثم يتقاضيان الغناء، ويترددانه فلما رأى ابن سريج موقع الغريض وغناءه من الناس، لقربه


(١) الأغاني ١/ ١٦٧، وقد أخل بها شعره.

<<  <  ج: ص:  >  >>