لَعَنَ اللهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ، فَقَالَ: (١) "إِنَّ وَرَاكِبَهَا" وَهُوَ كَثِيْرٌ فِي الشِّعْرِ.
فَإِنْ قِيْلَ: إِنَّمَا يَجِيْءُ ذلِكَ بَعْدَ كَلَامٍ تَكُوْنُ جَوَابًا لَهُ، وَلَمْ تَسْبِقْ مَا يُجَابُ عَلَيْهِ بِـ "نَعَمْ".
قِيْلَ: إِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَفْظًا فَهُوَ سَابِقٌ تَقْدِيْرًا، فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لِلْنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَرْحَمِ الخَلْقَ وَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِيْمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا مِمَّا يَجُوْزُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ.
وَأَمَّا الرَّفْعُ: فَجَائِزٌ جَوَازًا حَسَنًا، وَفِيْهِ عِدَّةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ "مَا" بِمَعْنَى الَّذِي، وَالعَائِدُ إِلَيْهَا مَحذُوْفٌ، و"الرُّحَمَاءُ" خَبَرُ "إِنَّ" وَالتَّقْدِيْرُ: إِنَّ الفَرِيْقَ الَّذِي يَرْحَمُهُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ.
فَإِنْ قِيْلَ: يَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ: أَنْ تَكُونَ "مَا" هُنَا لِمَنْ يَعْقِلُ؟
فَفِيْهِ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ "مَا" قَدِ اسْتُعْمِلَتْ بِمَعْنَى "مَنْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (٢) {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، وَهُوَ كَثِيْرٌ فِي القُرْآنِ، وَمِنْهُ (٣): {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦)} فِي أَصَحِّ القَوْلَيْنِ. وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ عَنِ العَرَبِ: "سُبْحَانَ مَا سَبَّحْتُنَّ لَهُ" و"سُبْحَانَ مَا سَخَّرَكُنَّ لَنَا".
وَالثَّانِي: أَنَّ "مَا" تَقَعُ بِمَعْنَى "الَّذِي" بِلَا خِلَافٍ، و"الَّذِي" تُسْتَعْمَلُ
(١) الرَّجُلُ هُوَ فُضَالَةُ بنُ شَرِيْكٍ. يُرَاجَعُ: "الجَنَى الدَّانِي" (٣٩٨)، وَالمُغْنِي (٣٧).(٢) سورة النِّساء، الآية: ٣.(٣) سورة الشَّمس.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute