أما هؤلاء العلماء الذين يجيزون التفسير بالرأي فلا أظن أنهم يجيزون ذلك لكل من هب ودب، بل يضعون - في اعتبارهم - عندما يجيزون ذلك شروطا، مبينة لا بد من توافرها فيمن يتصدى لتفسير الكتاب العزيز، مثل أن يكون عالما باللغة وأصول الفقه وأصول الدين، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وأحاديث النبي ﷺ وما إلى ذلك، ومن ثم أستطيع أن أقول: إنه يمكن أن يلتقي الفريقان معا عند نقطة واحدة، وهو جواز تفسير القرآن بالرأي إذا كان موافقا للدين واللغة، وعدم جوازه إذا كان مخالفا للدين أو اللغة.
ثانيا: إن أدلة الجواز أقوى من أدلة المنع، لأن أدلة المنع يمكن أن يرد عليها بخلاف أدلة الجواز، وإليك هذه الردود:
١ - بالنسبة للدليل العقلي على تحريم التفسير بالرأي - أجاب العلماء عنه، فقالوا: بمنع المقدمة الصغرى لأن الظن نوع من العلم، إذ هو إدراك العارف الراجح، وعلى فرض تسليم الصغرى فإنا نمنع الكبرى، لأن الظن منهي عنه إذا أمكن الوصول إلى العلم اليقيني القطعي، بأن يوجد نص قاطع من نصوص الشرع، أو دليل عقلي موصل لذلك، أما إذا لم يوجد شيء من ذلك فالظن كاف هنا، لاستناده إلى دليل قطعي من الله ﷾ على صحة العمل به إذ ذاك، كقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٢).
(١) انظر بحث (التفسير الرأي) للدكتور سيد جعفر شهيدي ص ٥١ في كتاب (بحوث قرآنية) الذي أصدره مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر عن المؤتمر السادس للمجمع عام ١٩٧١ م. (٢) سورة البقرة آية: ٢٨٦.