الحلاج، ومثله كثير للشيخ الأكبر (١) - قدس سره - ولغيره عربا وهجما، وهو عفا الله تعالى عنه قد فتح بابا في هذا المطلب لا يسد الى أن يأتي أمر الله ﷿، وكأنه أوصى إليه بأن يبوح وينثر هاتيك الجواهر، بين الأصاغر والأكابر، كما أوصى إلى الحسنين بأن يكتما من ذلك ما علما، وفي بعض كتبه - قدس سره - ما هو صريح في أنه مأمور، فإن صح ذلك فهو معذور، وأنا لا أرى عذرا لمن يقفوا أثره في المقال، مع مباينته له في الحال، فإن هذا المطلب أجل من أن يحصل لغريق الشهوات، وأسير المألوفات، ورهين العادات (٢).
بيد أني أرى أن كلام ابن عربي في تفسير الآية مخالف لما أجمع عليه المفسرون من أن قضى بمعنى أمر، كما أنه يؤدي - لا محالة- إلى التفكك في أوصال الآية الكريمة، فلو كان قضى بمعنى حكم ما ساغ عطف قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ على ما قبله، إذ لا يسع عاقل أن يقول: إن كل أحد محسن إلى والديه من حيث يدرى ومن حيث لا يدرى، ومن أجل ذلك وجدنا الإمام الألوسي - على الرغم من اعتذاره عن ابن عربي ودفاعه عنه - لا يرى أن يفتح هذا الباب على مصراعيه لكل أحد، فإن هذا الأمر شائك، ويؤدي - لا محالة - إلى الضلال.
المثال الثالث:
وفي الآيات التي تعرضت القصة موسى مع فرعون في سورة الشعراء نجد ابن عربي يسير في تفسيرها على أساس مذهبه في وحدة الوجود، ويعطي لفرعون الحق في ادعاء الألوهية، لأنه جزء من العالم الذي قال عنه إنه صورة الله تعالي، فيقول - معلقا على قول الله تعالي - حكاية عن موسى عليه
(١) يعني بالشيخ الأكبر هنا محيي الدين بن عربي، فإنه مشهور عند الصوفية بهذا اللقب. (٢) تفسير الآلوسي ج ١٥ ص ١٢٤، ١٢٥.