بقيت كلمة أخيرة في هذا المبحث، وهي أنه مما قيل - في التوفيق بين أحاديث النهي والإذن - أن النهي إنما كان في مبدأ الإسلام وقبل استقرار الأحكام مخافة التشويش على عقائد المسلمين وأفكارهم، وأن الإباحة جاءت بعد أن عرفت الأحكام واستقرت، وذهب خوف الاختلاط (١).
وأرى أن هذا الوجه في التوفيق لا يخلو من ضعف، لأن المسلمين في مبدأ الإسلام لم يكونوا على اتصال مباشر بأهل الكتاب، حتى يخاف الرسول ﷺ عليهم أن تشوش الإسرائيليات على عقائدهم وأفكارهم، بل كانوا في مكة يحاربون الشرك والوثنية، وظلوا هناك إلى أن أذن الله لهم بالهجرة إلى المدينة، وهنا فقط بدأ احتكاك المسلمين بأهل الكتاب، ومن ثم كان حديث النهي والتحذير من ثقافاتهم في أول الأمر، فكيف يقال إذن: إن النهي كان في مبدأ الإسلام، والإسلام بدأ في مكة لا في المدينة كما هو معلوم.
[كيف تسللت الإسرائيليات إلى التفسير؟]
هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة، وكان يعيش في المدينة طوائف من اليهود، وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، فدعاهم الرسول ﷺ كثيرا إلى الإسلام، ولكنهم أبوا إلا الكفر والعناد، وإضمار الحقد والحسد، وإظهار العداوة والبغضاء، ومنذ اللحظة الأولى لمقدم الرسول ﷺ إلى المدينة كثرت منهم المناقشات والمجادلات في أمور كثيرة مع الرسول ﷺ، وتصور لنا
(١) التفسير والمفسرون ج ١ ص ١٧٣ والإسرائيليات في التفسير والحديث. ص ٨٥.