للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مما يدل على كذبه، أو الذي يكون مخالفا ومنافيا للعقل السليم فإنه لا يصح بحال روايته، بل يجب رده وعدم قبوله.

ويبدو أن هذا الإذن الذي ورد في الحديث الأخير إنما وقع بعد أن تأصلت الثقافة الإسلامية في نفوس المسلمين، وتميزت في عقولهم تميزا كاملا من ثقافات أهل الكتاب، وإذن فلا حرج أن يأذن الرسول لصحابته بأن يحدثوا عن بني إسرائيل أحاديث الصدق فقط، بدليل أن الرسول بدأ حديثه بالأمر بوجوب تبليغ القرآن، والقرآن أصدق الحديث، ثم ختم حديثه بالتحذير من الكذب عليه ، وبين الأمر والتحذير جاء الإذن بالتحدث عن بني إسرائيل، فلا يعقل أن يكون الإذن هنا إلا مقيدا بدائرة الصدق فقط، لكي يتحدث المسلمون من بني إسرائيل بأحاديث الصدق لا الكذب، ولكي يتمشى هذا الإذن مع السياق والسباق في الحديث. قال ابن حجر - في التوفيق بين أحاديث النهي والإذن - «وكأن المنهي وقع قبل استقرار الأحكام، والقواعد الدينية، خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار» (١).

هذا رأي خاص في فهم هذه الأحاديث الثلاثة لا أظن أن أحدا سبقني إليه، وقد أكون مصيبا في هذا الرأي، وقد أكون مخطئا فيه، فإن أصبت فذلك من فضل الله تعالى وعظيم توفيقه، وإن أخطأت فحسبي أني اجتهدت، وبذلت قصارى جهدي وما قصرت، ونسأل الله أن يجنبنا الزلل في القول والعمل إن ربي سميع مجيب.


(١) فتح البارى جـ ٦ صـ ٣٢٠، وكلام ابن حجر هذا هو الذي فتح أمامي باب الاجتهاد في هذا الموضوع.

<<  <  ج: ص:  >  >>