الرأي مصدر هام من مصادر التفسير، لأن المأثور في التفسير من الرسول ﷺ، وعن الصحابة والتابعين لم يصح منه قدر كبير، وأن الصحيح منه لا يشمل القرآن كله، وما أكثر المأثور الذي يوصف بأنه ضعيف أو موضوع أو منكر أو واه أو مستمد من بني إسرائيل.
ومن هنا لجأ المفسرون (١) - منذ عصر مبكر، ربما يكون قبل العصر الذي وصل إلينا منه أعظم عمل في التفسير، وهو تفسير ابن جرير الطبري، المتوفى سنة ٣١٠ هـ - لجأوا إلى الاعتماد على الرأي في تفسير القرآن الكريم، إلا أن الرأي في التفسير كان - في بادئ الأمر - يدور في فلك المأثور، كتوجيه بعض الروايات، أو ترجيح رواية على أخرى، أو رد رواية ضعيفة، أو شرح الآية الكريمة في ضوء المأثور، أو الاستشهاد على معاني القرآن بالشعر القديم على طريقه ابن عباس ﵄، أو استنباط حكم على سبيل الاجتهاد الفقهي الذي نشأ في عصر الصحابة والتابعين وما إلى ذلك.
ثم اتسع مجال الرأي والاجتهاد في تفسير القرآن الكريم شيئا فشيئا عبر العصور المتتالية، وأخذ يتحرر بعيدا إلى حد ما من دائرة المأثور، وبخاصة بعد أن ظهرت الفرق الإسلامية من خوارج وشيعة ومرجئة ومعتزلة وغيرها، وأصبحت كل فرقة منها تمثل قطاعا فكريا وسياسيا من قطاعات
(١) نعنى بالمفسرين هنا: المفسرين الذين قاموا بتدوين التفسير والتأليف فيه، وليس من السهل معرفة أول من دون تفسير القرآن كله من علماء المسلمين، لأن تفاسير العصور الأولى للإسلام تكاد تكون مفقودة الآن.