للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولنا أن نتساءل هذا: هل كان الرسول له اجتهاد في فهم القرآن؟ أو بتعبير آخر: هل ما ورد عن الرسول في تفسير القرآن كله بوحي من الله تعالى، أم أن بعضه كان بوحي من الله، والبعض الآخر كان باجتهاد من الرسول ؟

الواقع أنني أميل إلى أن الرسول كانت له - إلى جانب ما أوحاه الله إليه وحيا جليا أو خفيا - اجتهادات خاصة في بعض أمور الدين؛ ومن جملة هذه الأمور تفسير القرآن الكريم، والدليل على ذلك أمران:

الأول: أن الرسول عاتبه ربه في القرآن الكريم على خطئه [*] في مواقف معينة، مثل إعراضه عن عبد الله بن أم مكتوم، وموقفه من الأسرى في غزوة بدر، وإذنه للمخلفين من الأعراب في غزوة العسرة، ولا يمكن أن يعاتب الرسول على أمر أوحاه الله إليه، بل لا بد أن يكون الرسول مجتهداً في هذه المواقف، والمجتهد معرض للصواب والخطأ، وليس في هذا الخطأ ما ينافي عصمة الرسول ، لأن العصمة إنما تكون - في المرتبة الأولى - بالنسبة للتبليغ عن الله تعالى كما ذهب إلى ذلك المحققون من العلماء، قال أحد أساتذنا الأجلاء: «ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني إلى أنهم - أي الأنبياء - معصومون عما يخل بالتبليغ والرسالة عصمة مطلقة، لا يجوز عليهم في هذا الشأن عمد ولا سهو ولا غلط، لأنه لو وقع منهم ما يوجب الإخلال بالتبليغ - أي شئ - لكان وقوعه منهم مناقضا لمطلب المعجزة، وهو محال، ولأنه يرفع الوثوق بتبليغات النبي، فكل تبليغ يصدر عن النبي حينئذ يداخله احتمال أن يكون خطأ أو سهواً، وذلك ما لا ينظم عليه ثبات الشريعة، والمبادرة إلى العمل بالتكاليف الشرعية المخاطب بها الجمهور، وهذا الرأي هو الذي نؤمن بصحته


[*] تعليق الشاملة: لا يجوز إطلاق مثل هذه العبارات في حق رسول الله وكان الأَولى بالمؤلف - غفر الله لنا وله - أن يسير على نهج السابقين في استعمال بعض العبارات كقولهم: فَعَلَ رسول الله خلاف الأَولى.
وقد فعل المؤلف ذلك لاحقا.

<<  <  ج: ص:  >  >>