المحاسبي في كتاب (الرعاية) له، ومنهم من كتب في آداب الطريقة وأذواق أهلها ومواجدهم في الأحوال، كما فعله القشيري في كتاب (الرسالة)، والسهروردي في كتاب (عوارف المعارف) وأمثالهم، وجمع الغزالي ﵀ بين الأمرين في كتاب (الإحياء) فدون فيه أحكام الورع والاقتداء، ثم بين آداب القوم وسننهم، وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم، وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط، وكانت أحكامها إنما تتلقى من صدور الرجال، كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتاب من التفسير والحديث والفقه والأصول وغير ذلك» (١).
ثالثا: ثم اتسعت أنظار الباحثين في العلوم الدينية، ودقت أفكارهم، وعنوا عناية خاصة بالكلام في قضايا التوحيد والعقيدة والأمور الغيبية، واستعانوا على ذلك بالأدلة المنطقية والعقلية، وهؤلاء هم الذين عرفوا في تاريخ الفكر الإسلامي باسم المتكلمين والفلاسفة، وهنا اتجه الصوفية إلى وضع نظرية خاصة لهم في المعرفة وسبيل الوصول إليها، هذه النظرية لا تعتمد على الاستدلال العقلي، كما يرى المتكلمون والفلاسفة، بل تعتمد - أساسا - على البصيرة التي سبيلها مجاهدة النفس والتزكي والتطهر، فانها عندهم هي الطريق الوحيد الموصل إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة الله تعالي هي السعادة التي وعد الله بها المتقين.
وقد عقد الإمام الغزالي في كتابه:(إحياء علوم الدين) فصلا لبيان الفرق بين طريق الصوفية في استكشاف الحق، وطريق النظار، والفرق بين الإلهام والتعلم، فقال ﵀: «اعلم أن العلوم التي ليست ضرورية، وإنما تحصل في القلب في بعض الأحوال تختلف الحال في حصولها، فتارة تهجم على القلب، كأنه ألقى فيه من حيث لا يدرى، وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم، فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل