للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عن إقامتها مقام الذكر، ثم تجوز ثانيا لأنهما القائمتان مقامه، فلم تجعل إحداها الأخرى قائمة مقامه (١).

[٢ - التعسف في التأويل اتباعا للهوى وانتصارا للمذهب]

فقد لجأ كثير من أصحاب الفرق والمذاهب الإسلامية إلى القرآن الكريم لتأييد ما يعتنقون من عقائد وآراء، فإذا ما وجدوا في القرآن الكريم نصا مخالفا لما يعتنقون أشهروا في وجهه سلاح التأويل، وارتكبوا في سبيل ذلك مخالفات شنيعة، وتمحلوا له تحلات غريبة، وحملوا ألفاظ القرآن على معان ما أنزل الله بها من سلطان، ولنضرب لذلك مثالا: وهو أن المعتزلة ينفون صفات الله تعالى، فإذا ما صادفوا في القرآن الكريم نصا يثبت صفة من هذه الصفات لجأوا إلى التعسف في التأويل انتصارا للمذهب، فمثلا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (٢) يقول بعضهم إن هذه الآية لا دلالة فيها على إثبات صفة الكلام لله تعالى، لأن (كلم) هنا بمعنى جرح، فهي من الكلم - بفتح فسكون - أي الجرح.

والزمخشري - وإن كان إماما من أئمة الاعتزال - إلا أنه بحسه اللغوي، وذوقه الأدبى لم يرتض هذا المسلك الغريب في تفسير الآية، بل نجده يقول: «ومن بدع التفاسير أنه - يعني (كلم) - من الكلم، وأن معناه وجرح الله موسي بأظفار المحن ومخالب الفتن» (٣).

ولما كانت الآية صريحة في إثبات صفة الكلام لله تعالى، والفعل فيها مؤكدا بالمصدر الذي يرفع احتمال المجاز فيه نجد ابن المنير - في تعليقه على ذلك يقول: «وإنما ينقل هذا التفسير عن بعض المعتزلة، لإنكارهم الكلام القديم


(١) تفسير الآلوسي ج ٣ ص ٥٩
(٢) سورة النساء: ١٦٤
(٣) تفسير الكشاف ج ١ ص ٣٩٨

<<  <  ج: ص:  >  >>