[والأسباب التي أدت إلى الوقوع في بدع التفاسير اللغوية كثيرة، أهمها ما يلي]
[١ - الجهل بقواعد اللغة وأوضاعها]
فقد تصدى لتفسير كتاب الله تعالى جماعة من الذين ليست عندهم أهلية تامة للتفسير، وليس لديهم معرفة واسعة بأوضاع اللغة وقوانينها، فأخطئوا في التأويل، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وجاءوا لنا بالبدع والغرائب في التفسير، وهؤلاء لا نعرف لهم كتبا خاصة فربما تكون هذه الكتب التي ألفوها في التفسير ضاعت مع الأيام وبمرور الزمان، وكل الذي نعرفه عنهم إنما هي أقوال منسوبة إليهم، مبثوثة هنا وهناك في كتب التفسير المختلفة، وكتب الدراسات القرآنية بوجه عام.
ومن أمثلة ذلك ما حكي عن سفيان بن عيينة (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ (٢) فقد فسر قوله تعالى: (تذكر إحداهما الأخرى) بمعنى: تجعل إحداها الأخرى ذكرا، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر.
وهذا التفسير - كما ترى - غريب من جهة المعنى، لأن التذكير بمعنى جعل الأنثى ذكرا شيء غير معهود ولا مألوف في لغة العرب، كما أن هذا التفسير بعيد عن روح الآية، لأنه لا يتلاقى مع قوله:(أن تضل إحداهما) ومن ثم قال الزمخشري إن هذا الكلام من بدع التفاسير (٣).
أما الإمام الآلوسي فقد فند هذا الوجه في تأويل الآية بأن فيه قصورا من جهة المعنى واللفظ، لأن التذكير في مقابلة النسيان معنى مكشوف وغرض بين، ورعاية العدد لأن النسوة محل النسيان كذلك، ولأن جعلها ذكرا مجاز.
(١) انظر تفسير الآلوسي ج ٣ ص ٥٩ (٢) سورة البقرة: ٢٨٢ (٣) تفسير الكشاف ج ١ ص ٢٨٩