للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التأويلات يمكن أن يطلق عليها شطحات، ونحن نميل إلى رفضها وعدم قبولها، لأنها عندنا لا تختلف كثيرا عن تأويلات الباطنية التي تحدثنا عنها في الفصل السابق.

وهذه الشطحات التي تتضمن أقوالا موهمة، ولا يقرها شرع ولا عقل قد توقف في قبولها من قبل الإمام الغزالي وهو علم من أعلام الصوفية بل حرمها، وكشف عن خطرها وضررها، وأفتى بقتل من نطق بها، فقال :

(وأما الشطح فنعني به صنفين من الكلام أحدثه بعض الصوفية):

أحدهما: الدعاوى الطويلة العريضة في العشق مع الله تعالى، والوصال المغني عن الأعمال الظاهرة، حتى ينتهي قوم إلى دعوى الاتحاد وارتفاع الحجاب، والمشاهدة بالرؤية، والمشافهة بالخطاب، فيقولون: قيل لنا كذا، وقلنا كذا، ويتشبهون فيه بالحسين بن منصور الحلاج الذي صلب لأجل إطلاقه كلمات من هذا الجنس، ويستشهدون بقوله: (أنا الحق) وبما حكي عن أبى يزيد البسطامي أنه قال: (سبحاني سبحاني) وهذا فن من الكلام عظيم ضرره في العوام، حتى ترك جماعة من أهل الفلاحة فلاحتهم، وأظهروا مثل هذه الدعاوى، فإن هذا الكلام يستلذه الطبع، إذ فيه البطالة من الأعمال، مع تزكية النفس بدرك المقامات والأحوال، فلا تعجز الأغبياء عن دعوى ذلك لأنفسهم، ولا عن تلقف كلمات مخبطة مزخرفة، ومهما أنكر عليهم ذلك لم يعجزوا عن أن يقولوا: هذا إنكار مصدره العلم والجدل، والعلم حجاب، والجدل عمل النفس، وهذا الحديث لا يلوح إلا من الباطن بمكاشفة نور الحق، فهذا ومثله مما قد استطار في البلاد شرره، وعظم في العوام ضرره، حتى من نطق بشيء منه فقتله أفضل في دين الله من إحياء عشرة، وو أما أبو يزيد البسطامي فلا يصح عنه ما يحكى، وإن سمع ذلك منه فلعله كان يحكيه عن الله ﷿ في كلام يردده في نفسه كما لو سمع وهو يقول: ﴿إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ (١) فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية.


(١) سورة طه: ١٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>