للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإنما المراد الباطن فقط، إذ ذاك اعتقاد الباطنية الملاحدة، توصلوا به إلى تفي الشريعة بالكلية، وحاشي سادتنا من ذلك، كيف وقد حضوا على حفظ التفسير الظاهر، وقالوا: لا بد منه أولا، إذ لا يطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر، ومن ادعى فهم أسرار القرآن قبل إحكام التفسير الظاهر فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب» (١).

ومن هذه النصوص التي أوردناها ونقلناها عن أئمة الصوفية يتبين لنا أن الصوفية - بوجه عام .. يعترفون بالظاهر والباطن معا في تفسير القرآن الكريم، وكأنهم - بهذا الاعتراف - يريدون أن ينفوا عن أنفسهم تهمة شنيعة وجهت إلى الشيعة الباطنية من قبل علماء أهل السنة وغيرهم، ألا وهي تهمة إنكار الظاهر، والاعتماد على الباطن دون غيره في تأويل النصوص الدينية من آيات وأحاديث، ولكن من حق البحث علينا أن نتسائل: هل الباطن الذي قال به الصوفية في تفسير القرآن الكريم يتمشي مع الظاهر دائما؟ أو بتعبير أدق: هل الباطن الذي ورد عن الصوفية في التفسير قد توافر فيه الشرطان اللذان ذكرهما الشاطبى في (الموافقات) وهما موافقة اللغة وشهادة الشرع (٢) حتى يمكننا قبوله أم لا؟.

الواقع أننا لا نستطيع أن نقول: إن الصوفية جميعا قد التزموا بهذين الشرطين تماما في تفسير القرآن الكريم، بل نجد لبعضهم من أمثال ابن عربي تأويلات بعيدة عن روح القرآن الكريم، وفاقدة للشرطين معا، لا سيما تلك التأويلات التي تمت بصلة إلى نظرية وحدة الوجود، فمثل هذه


(١) تفسير الآلوسي ج ١ ص ٧.
(٢) راجع ما كتبناه عن رأى الشاطبي في التأويل الباطني، وذلك في الفصل الثالث من هذا الكتاب.

<<  <  ج: ص:  >  >>