للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

«الصنف الثاني من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة، وفيها عبارات هائلة، وليس وراءها طائل، إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها، بل يصدرها عن خبط في عقله، وتشويش في خياله، لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه، وهذا هو الأكثر، وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وإيرادها بعبارة تدل على ضميره، لقلة ممارسته للعلم، وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة، ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوش القلوب ويدهش العقول، ويحير الأذهان، أو يحمل على أن يفهم منها معان ما أريدت بها، ويسكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه» (١).

أما العلامة ابن خلدون فيرى أن هذه الشطحات إن كانت قد صدرت عمن صدرت عنه - وهو غائب عن الحس - فإنه يعذر، أما إذا كانت قد صدرت عن صاحبها - وهو حاضر الحس - فإنه يؤاخذ، كما بين ابن خلدون أن سلف الصوفية وأعلامهم المتقدمين لم يخوضوا في شيء من هذا القبيل، بل كانوا يحذرون من الخوض فيه، وكانوا يلتزمون بأحكام الشرع ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وفي ذلك يقول ابن خلدون: «وأما الألفاظ الموهمة التي يعبرون عنها بالشطحات ويؤاخذهم بها أهل الشرع فاعلم أن الإنصاف في شأن القوم أنهم أهل غيبة عن الحس، والواردات تملكهم حتي ينطقوا عنها بما لا يقصدونه، وصاحب الغيبة غير مخاطب (٢) والمجبور معذور فمن علم منهم فضله واقتداؤه حمل على القصد الجميل من هذا وأمثاله، وإن العبارة عن المواجد صعبة لفقدان الوضع لها، كما وقع لأبي يزيد البسطامي


(١) إحياء علوم الدين ج ١ ص ٥٣، ٥٤.
(٢) يعني غير مؤاخذ بما يصدر عنه وغير مكلف، وهو تعبير فقهى مشهور، يقال مثلا: الصبي والمجنون غير مخاطبين أي غير مكلفين.

<<  <  ج: ص:  >  >>