وأمثاله، ومن لم يعلم فضله ولا اشتهر فمؤاخذ بما صدر عنه من ذلك، إذ لم يتبين لنا ما يحملنا على تأويل كلامه، وأما من تكلم بمثلها وهو حاضر في حسه. ولم يملكه الحال فمؤاخذ أيضا ولهذا أفتى الفقهاء وأكابر الصوفية بقتل الحلاج، لأنه تكلم في حضور وهو مالك لحاله والله أعلم، وسلف المتصوفة من أهل الرسالة (١) أعلام الملة الذين أشرنا إليهم من قبل لم يكن لهم حرص على كشف الحجاب، ولا هذا النوع من الإدراك، إنما همهم الاتباع والاقتداء ما استطاعوا، ومن عرض له شيء من ذلك أعرض عنه ولم يحفل به، بل يفرون منه ويرون أنه من العوائق والمحن، وأنه إدراك من إدراكات النفس مخلوق حادث، وأن الموجودات لا تنحصر في إدراك الإنسان. وعلم الله أوسع، وخلقه أكبر، وشريعته بالهداية أملك، فلم ينطقوا بشيء مما يدركون بل حظروا الخوض في ذلك، ومنعوا من يكشف لهم الحجاب من أصحابهم من الخوض فيه والوقوف عنده، بل يلتزمون طريقتهم كما كانوا في عالم الحس قبل الكشف من الاتباع والاقتداء، ويأمرون أصحابهم بالتزامها» (٢).
ويرى الشيخ ابن الصلاح أن كلام الصوفية في القرآن - بوجه عام - لا يعد من قبيل التفسير، بل هو من باب ذكر النظير بالنظير، فيقول: «وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي - المفسر - أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (حقائق التفسير) فإن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر - قال ابن الصلاح - وأنا أقول: الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا من ذلك أنه لم يذكره تفسيرا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم لنظير ما ورد به القرآن فإن النظير يذكر بالنظير. ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والإلباس» (٣).
(١) يعني بها الرسالة القشيرية للإمام القشيري. (٢) مقدمة ابن خلدون ص ٤٤٨، ٤٤٩. (٣) الاتقان ج ٢ ص ١٨٤ والبرهان ج ٢ ص ١٧٠، ١٧١