للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يسمى إلهاما، والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا، ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدرى العبد أنه كيف حصل له؟ ومن أين حصل؟ وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم، وهو مشاهدة الملك الملقي في القلب، والأول يسمى إلهاما ونفثا في الروع، والثاني يسمى وحيا، وتختص به الأنبياء، والأول يختص به الأولياء والأصفياء، والذي قبله - وهو المكتسب بطريق الاستدلال - يختص به العلماء» (١).

ثم بين الإمام الغزالي أن الصوفية يحرصون على العلوم الإلهامية دون سواها وشرح سبيلهم في الوصول إليها فقال: «فإذا عرفت هذا فاعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون، والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة، بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك كان الله هو المتولي لقلب عبده، والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم، وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة، وأشرق النور في القلب، وانشرح الصدر، وانكشف له سر الملكوت، وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية، فليس على العبد إلا الاستعداد بالتصفية المجردة وإحضار الهمة مع الإرادة الصادقة، والتعطش التام، والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه الله تعالى من الرحمة» (٢).

رابعا: ثم جاء المتأخرون من الصوفية - كابن عربي وابن الفارض وأمثالهما - فانصرفت عنايتهم إلى كشف الحجاب والكلام في المدارك التي وراءه، وذهب جماعة من هؤلاء الذين توسعوا كثيرا في ميدان التصوف النظري، وصيروا المدارك الوجدانية علمية نظرية إلى القول بنظرية وحدة


(١) إحياء علوم الدين ج ٣ ص ٢٤ ط الحلبي.
(٢) المصدر السابق ج ٣ ص ٢٥

<<  <  ج: ص:  >  >>