الوجود (١)، ووحدة الوجود - عندهم - معناها أنه ليس هناك إلا وجود واحد، كل العالم مظاهر ومجال له، فالله سبحانه هو الموجود الحق، وكل ما عداه ظواهر وأوهام ولا توصف بالوجود إلا بضرب من التوسع والمجاز، وهذه النظرية سرت إلى بعض الصوفية عن طريق الفلاسفة، وعن طريق الإسماعيلية الباطنية الذين خالطوهم، وأخذوا عنهم مذهبهم القائل بحلول الإله في أئمتهم، وصوروه - أعني الصوفية - بصورة أخرى تتفق مع مذهب الباطنية في الحقيقة، وإن اختلفت في الاصطلاح والألفاظ (٢).
وقد شرح ابن خلدون هذه النظرية الغربية - نظرية وحدة الوجود - ومدى تأثرها بالفلسفة اليونانية وعقيدة النصارى في المسيح ﵇، فقال: «وذهب جماعة من المتصوفة والمتأخرين الذين صيروا المدارك الوجدانية علمية نظرية إلى أن البارئ تعالى متحد بمخلوقاته في هويته ووجوده وصفاته، وربما زعموا أنه مذهب الفلاسفة قبل أرسطو مثل أفلاطون وسقراط، وهذا الاتحاد هو الحلول الذي تدعيه النصارى في المسيح ﵇، وهو أغرب لانه حلول قديم في محدث، أو إتحاده به، وهو أيضا عين ما تقوله الإمامية من الشيعة في الأئمة، وتقرير هذا الاتحاد في كلامهم على طريقين:
الأولى: أن ذات القديم كامنة في المحدثات، محسوسها ومعقولها، متحدة بها في التصورين، وهي كلها مظاهر لها، وهو القائم عليها أي المقوم لوجودها، بمعنى لولاه كانت عدما، وهو رأى أهل الحلول.
الثانية: طريق أهل الوحدة المطلقة، وكأنهم استشعروا من تقرير أهل الحلول الغيرية المنافية المعقول الاتحاد، فنفوها بين القديم وبين المخلوقات في الذات.
(١) وممن قال بوحدة الوجود من متقدى الصوفية كذلك الحسين ابن منصور المعروف بالحلاج الذي نسب إليه أنه قال: أنا الله، فأمر الخليفة العباسي بقتله سنه ٣٠٩ هـ. (٢) التفسير والمفسرون ج ٣ ص ١٢