المثال الثاني: ذكر الزمخشري عند تفسير قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد (٦) إرم ذات العماد (٧) التي لم يخلق مثلها في البلاد (٨)﴾ (١) قصة خرافية من (إرم ذات العماد) فقال: (وروى كان لعاد ابنان: شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال: أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة: وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت. وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب (٢) فسأله فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال:«هذا والله ذلك الرجل») (٣).
وقد طعن ابن خلدون في هذه القصة التي ذكرها الزمخشري في تفسيره وشكك في صحتها، فقال: «وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض، وصحارى (عدن) التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن، وما زال عمرانه متعاقبا، والأدلاء تقص طرقه من كل وجه، ولم ينقل عن هذه المدينة خبر، ولا ذكرها أحد من الإخباريين ولا من الأمم،
(١) سورة الفجر - آية ٦ - ٨. (٢) يريد كعب الأحبار قطب الروايات الإسرائيلية. (٣) الكشاف ج ٤ ص ٥٩٧.