ولو قالوا: إنها درست فيها درس من الآثار السكان أشبه، إلا أن ظاهر كلامهم أنها موجودة، وبعضهم يقول: إنها (دمشق) بناء على أن قوم عاد ملكوها، وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة، وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر، مزاعم كلها أشبه بالخرافات».
والذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الإعراب في لفظة (ذات العماد) أنها صفة (إرم) وحملوا العماد على الأساطين، فتبين أن يكون بناء، ورشح لهم ذلك قراءة ابن الزبير:(عاد إرم) على الإضافة من غير تنوين، ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة، والتي هي أقرب إلى الكذب، المنقولة في عداد المضحكات، وإلا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام، وإن أريد بها الأساطين فلا بدع في وصفهم بأنهم أهل بناء وأساطين على العموم، بما اشتهر من قوتهم، لا أنه بناء خاص في مدينة معينة أو غيرها، وإن أضيفت كما في قراءة (ابن الزبير) فعلى إضافة الفصيلة إلى القبيلة، كما تقول: قريش كنانة، وإلياس مضر، وربيعة نزار، وأي ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الذي تمحل لتوجيهه بأمثال هذه الحكايات الواهية التي يتنزه كتاب الله عن مثلها لبعدها عن الصحة (١)، وأيضا يعاتب ابن حجر على هذا الخبر قائلا: إن آثار الوضع عليه لائحة (٢)، كما يقول ابن كثير - في هذا الصدد -: (فإن هذا كله من خرافات الإسرائيلين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك هقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك)(٣).
ثم قال: (وقد ذكر ابن أبي حاتم قصة ﴿إرم ذات العماد﴾ ههنا مطولة جدا، فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك
(١) مقدمة ابن خلدون بتحقيق الدكتور على عبد الواحد وافي ج ١ ص ٢٢٨. (٢) الكافي الشاف على هامش الكشاف ج ٤ ص ٥٩٧. (٣) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٤١٨.