وفي البيتين الآتيين الواردين في الفصوص (ص ١٣٩) إشارة إلى هذا المعنى، وهما:
يا خالق الأشياء في نفسه … أنت لما تخلقه جامع
تخلق ما لا ينتهي كونه … فيك فانك الضيق الواسع
فلا فرق في نظره بين الواحد والكثير، أو الحق والخلق إلا بالاعتبار والنظر العقلي، أما العارف فيدرك بطريق الذوق وحدتها، وعلى ذلك فمذهبه واحدي لا ثنوى، إلا إذا اعتبرنا الثنوية في الصفات لا غير، لأنه كثيرا ما يصف الحقيقة الوجودية الواحدة بالمتقابلات، أمثال الحق والخلق؛ والباطن والظاهر، والأول والآخر، والمشبه والمنزه وأمثال ذلك، أما الحقيقة في ذاتها فواحدة لا تقبل كثرة ما» (١).
المثال الثاني:
وقد ترتب على إيمان ابن عربي بوحدة الوجود أنه قال كذلك بوحدة الأديان، وأنه لا فرق بين الأديان السماوية وغيرها، فالكل صحيح، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (٢)، وقد صاغ عقيدته تلك في بيت شعري فقال:
عقد الخلائق في الإله عقائدا … وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
كما شرح لنا تلك العقيدة فقال: «فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر علي ما هو عليه، فكن في نفسك هيولى لصور المعتقدات كلها، فإن الله تعالى أوسع وأعظم من أن يحصره عقد دون عقد، فإنه يقول:(فأينما تولوا فتم وجه الله)، وما ذكر أينا
(١) دائرة المعارف الإسلامية ج ١ ص ٣٤٦ (٢) سورة البقرة: ١١٥