للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عظيما، حيث يجعل الناس - باعتبار (وحدة الوجود) التي يؤمن بها - لهم صورة ظاهرة، وصورة باطنة، أما الصورة الظاهرة منهم - وهي أبدانهم - فهم مطالبون بأن يجعلوها وقاية لربهم، فينزهوا الرب عن صفات الأبدان الذميمة، وأما الصورة الباطنة منهم - وهي الرب - فهم مطالبون بأن يجعلوها وقاية لهم، لأن صفات الرب صفات حمد، ومن له صفات الحمد يحتمى به من له صفات الذم.

ألا ترى معي أن هذا التفسير الباطني الذي ذكره ابن عربي هنا لا يتمشى قط مع عقيدة التوحيد التي نادى بها القرآن حيث يقول ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ (١)، كما أنه لا يتفق ومدلولات الألفاظ في كلام العرب من حيث الحقيقة أو المجاز، ومن ثم فإنه يحق لنا أن نرفض هذا التفسير شكلا وموضوعا، وأن نعتبره من جملة الدخيل الذي تسلل إلى رحاب القرآن الكريم.

يضاف إلى ذلك أن مذهب ابن عربي القائل بوحدة الوجود مذهب دخيل علي الإسلام وليس من الإسلام في شئ لأن عقيدة الإسلام تقوم أساسا على التفرقة بين الخالق والمخلوق، فتفسير ابن عربي للآية في ضوء هذا المذهب الباطل لا يمكن لنا قبوله بحال، كيف وقد جعل عقيدته أصلا والقرآن تابعا لها على عكس ما يجب أن يكون، يقول الدكتور أبو العلا عفيفي - في شرح مذهب ابن عربي في وحدة الوجود -: «أما مذهبه فوحدة الوجود وليس من الإسلام في قليل أو كثير، لأنه يرى أن الوجود حقيقة واحدة، ويعد التعدد والكثرة أمرا قضت به الحواس الظاهرة، والعقل الإنساني القاصر عن أن يدرك الوحدة الذاتية للأشياء، أو يدرك المجموع كمجموع، ويتلخص مذهبه في عبارته القصيرة الواردة في الفتوحات» (ج ٢ ص ٦٠٤) وهي: «سبحان من خلق الأشياء وهو عينها، فإنه يقرر فيها وجود الأشياء ووجود خالق لها، كما يقرر الوحدة الذاتية، أو العينية للاثنين: الخالق والمخلوق،


(١) سورة البقرة: ١٦٣

<<  <  ج: ص:  >  >>