هؤلاء هم غلاة الشيعة القدامى الذين ظهروا أيام الدولة الأموية، ووضعوا بذور التأويل الباطني والتفسير الرمزي، ولا شك أن الباطنية الذين ظهروا أيام العباسيين قد سلكوا سبيلهم، وساروا على نهجهم، إلا أنهم توسعوا كثيرا في هذا المضمار، وبالغوا مبالغة شديدة في تأويل النصوص، حتى ارتبط اسمهم - في تاريخ الفكر الإسلامي - بهذه التأويلات الفاسدة التي تروى عنهم، والتي ليس لها سند من اللغة ولا من الدين.
[هل الباطنية يؤمنون بالظاهر؟]
سبق أن ذكرنا أن الباطنية فريقان: الفريق الأول يهملون الظواهر، وينكرون الشرائع، ويسقطون التكاليف، ويقولون: إن ظواهر القرآن والسنة لا يراد منها الحقيقة، بل هذه الظواهر رموز إلى أسرار باطنية، وحقائق خفية، فهم لا يعولون إلا على هذه الرموز التي يزعمون أنهم أخذوها من أفواه الأئمة المعصومين من آل البيت رضوان الله عليهم.
والفريق الثاني - وهم أخف وطأة من السابقين - يقولون: إنهم يعتمدون على الظاهر والباطن معا، ويتحرجون من مقالة الفريق الأول، إلا أن اهتمامهم بالبواطن أشد، وعنايتهم بالرموز أعظم.
بيد أننا نرى أنه لا يكاد يوجد فرق واضح بين الفريقين في هذا المجال، لأن الظاهر الذي يعتمد عليه الفريق الثاني هو ما يكون موافقا لمذهب الروافض من الشيعة، لا ما يكون موافقا للمذاهب المجمع عليها من المسلمين، ومن ثم فإنهم ينكرون الظاهر الذي أجمع عليه المسلمون، فآل الأمر عندهم إلى إهمال الظاهر والقول بالباطن، شأنهم في ذلك شان الفريق الأول الذي ذهب إلى التعويل على الباطن دون الظاهر، وكل ما في الأمر أن الفريق الأول من الباطنية جماعة من الأغبياء بخلاف الفريق الثاني فإنهم جماعة من الأذكياء.
وقد صور لنا الغزالي عقيدة الباطنية بوجه عام فيما يتعلق بالظواهر والبواطن فقال ﵀: «والمنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب