واستباحة المحظورات واستحلالها، وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم، وإنما الذي يصح من معتقدهم فيه أنهم يقولون: لا بد من الانقياد للشرع في تكاليفه، على التفصيل الذي يفصله الإمام، من غير متابعة للشافعي وأبي حنيفة وغيرهما، وإن ذلك واجب على الخلق والمستجيبين، إلى أن ينالوا رتبة الكمال في العلوم، فإذا أحاطوا من جهة الإمام بحقائق الأمور، واطلعوا على بواطن هذه الظواهر انحلت عنهم هذه القيود، وانحطت عنهم التكاليف العملية، فإن المقصود من أعمال الجوارح تنبيه القلب لينهض لطلب العلم، فإذا ناله استعد للسعادة القصوى، فيسقط عنه تكاليف الجوارح، وإنما تكليف الجوارح في حق من يجري بجهله مجرى الحمر التي لا يمكن رياضتها إلا بالأعمال الشاقة، وأما الأذكياء والمدركون للحقائق فدرجتهم أرفع من ذلك، وهذا فن من الإغواء شديد على الأذكياء، وغرضهم هدم قوانين الشرع» (١).
ونحن نرى أن الإمام الغزالي الذي حكم على الباطنية بهذا الحكم صادق في قوله، وعادل في حكمه، لأنه - وإن كان خصما من خصوم الباطنية، والذي دعاه إلى تأليف كتابه (فضائح الباطنية) هو ما رآه في عصره من استفحال أمر الباطنية، وبث دعاة الإسماعيلية من قبل الدولة الفاطمية في مصر للدعوة للخليفة الفاطمي (المستنصر بالله) ضد الخليفة العباس (المستظهر بالله)(٢). أقول إن الغزالي - على الرغم من ذلك - راعي الدقة في تصوير مذهب الباطنية، حيث استمد معلوماته عنهم من أناس كثيرين كانوا قد استجابوا لهم، وانخدعوا بهم، ثم تابوا إلى الله، ورجعوا عن غوايتهم، ويحدثنا الغزالي عن ذلك فيقول: "فإن قيل: ما جلبتموه من العظائم لا يتصور أن
(١) فضائح الباطنية ص ٤٦، ٤٧ (٢) انظر مقدمة الدكتور عبد الرحمن بدوى لكتاب (فضائح الباطنية). ص (ح).