يخفى على عاقل، وقد رأينا خلقا كثيرا، وجما غفيرا من الناس يتابعونهم في معتقدهم، وتابعوهم في دينهم، فلعلكم ظلمتموهم بنقل هذه المذاهب عنهم في خلاف ما يعتقدونه، وهذا هو القريب الممكن، فإنهم لو أظهروا هذه الأسرار نفرت القلوب عنهم، واطلعت النفوس على مكرهم، وما باحوا بها إلا بعد العهود والمواثيق، وصانوها إلا عن موافق لهم في الاعتقاد، فمن أين وقع لكم الاطلاع عليها، وهم يسترون ديانتهم، ويستبطنون بعقائدهم؟
قلت: «أما الاطلاع على ذلك فانما عثرنا عليه من جهة خلق كثير، تدينوا بدينهم، واستجابوا لدعوتهم، ثم تنبهوا لضلالهم، فرجعوا عن غوايتهم إلى الحق المبين، فذكروا ما ألقوا إليهم من الأقاويل، وأما سبب انقياد الخلق إليهم في بعض أقطار الأرض فإنهم لايفشون هذا الأمر إلا إلى بعض المستجيبين لهم، ويوصون الداعي ويقولون له: إياك أن تسلك بالجميع مسلكا واحدا، فليس كل من يحتمل هذه المذاهب يحتمل الخلع والسلخ (١)، ولا كان من يحتمل الخلع يحتمل السلخ، فليخاطب الداعي الناس على قدر عقولهم، فهذا هو السبب في تعلق هذه الحيل ورواجها» (٢).
أجل إن الغزالي صادق في قوله، وعادل في حكمه، ومما يؤيد ذلك أنني وقعت على كتابين في معتقدات الفاطميين وتأويلاتهم هما (دعائم الإسلام)، و (تأويل الدعائم) ومؤلفهما هو القاضي النعمان بن محمد التميمي المتوفى سنة
(١) الخلع والسلخ حيلة من حيل الباطنية التي يستدرجون بها الناس ويستغوونهم، والفرق بين الخلع والسلخ أن الخلع يختص بالعمل، فإذا أفضوا بالمستجيب إلى ترك حدود الشرع وتكاليفه يقولون: وصلت إلى درجة الخلع، أما السلخ فيختص بالاعتقاد الذي هو خلع الدين، فإذا انتزعوا ذلك من قلبه دعوا ذلك سلخا، وسميت هذه الرتبة: البلاغ الأكبر - انظر فضائح الباطنية ص ٣٢ (٢) فضائح الباطنية ص ٣٣