الذي هو صفة الذات، إذ لا يثبتون إلا الحروف والأصوات قائمة بالأجسام، لا بذات الله تعالى، فيرد عليهم بجحدهم كلام النفس إبطال خصوصية موسى ﵇ في التكليم، إذ لا يثبتونه إلا بمعنى سماعه حروفا وأصواتا قائمة ببعض الأجرام، وذلك مشترك بين موسي وبين كل سامع لهذه الحروف، حتى المشرك الذي قال الله فيه: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ (١)، فيضطر المعتزلي إلى إبطال الخصوصية الموسوية بحمل التكليم على التجريح، وصدق الزمخشري وأنصف إنه لمن بدع التفاسير التي ينبو عنها الفهم، ولا يبين بها إلا الوهم والله الموفق» (٢).
[٣ - عدم مراعاة سياق الكلام]
فقد تعسف قوم في تأويل القرآن الكريم، لأنهم لم يراعوا سياق الكلام، ولم يضعوا في اعتبارهم - وهم يفسرون القرآن - أن تكون الآيات بعضها مع بعض منسجمة المعاني، مترابطة الأوصال، ومن ثم جاءوا لنا في التفسير بكلام متنافر الأجزاء، مقطع الأوصال، ممزق الأوشاج، يلفظه الفهم الصحيح، ويمجه الذوق السليم، - من ذلك ما نقل عن النضر بن شميل (٣) - وهو إمام من أئمة اللغة وأظنه لا يصح عنه، فقد فسر قول الله تعالى: ﴿سنسمه على الخرطوم﴾ (٤) بأن الخرطوم هي الخمر وأن معنى الآية سنحده على شربها، وقد وصف الزمخشري هذا التفسير بأنه تعسف (٥)، كما قال الآلوسي إن هذا التفسير تنفيه الرواية والدراية معا، أما الرواية فلان أولئك الكفار هلكوا قبل تحريم الخمر، وأن الوليد بن المغيرة وهو الذي نزلت الآية في شأنه لم يثبت
(١) سورة التوبة: ٦ (٢) الانتصاف على هامش الكشاف ج ١ ص ٣٩٨ (٣) انظر تفسير الآلوسي جـ ٢٩ ص ٢٩ (٤) سورة القلم: ١٦. (٥) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٤٨٠.